التحول العكسي
12 October 2014
وكأنها كان تاييدا لأحلامهما الطارئة، ونواياهما الرقيقة, فقد قفزت ابنتها على قدميها أولا, فور انتهاء رحلتهم, ثم تمطت بجسدها الغض !.
وبينها كانوا يتشوقون على هذا النحو، فوجىء المستر سامسا وزوجته كلاهما ، فى نفس اللحظة تقريبا ، وهما يلحظان حيوية ابنتهما المتزايدة. أنه على الرغم من كل أسى أيامهما الحاضرة. تلك الأيام التى كانت قد صبغت خدى ابنتهما بذلك الشحوب، إلا أنها كانت قد تفتحت.. وأصبحت شابة جميلة، فاتنة القوام فشرعت السكينة حينئذ تهدهدهما، وتبادلا فيما يشبه الغيبوبة شعوراً مفعما بالرضا. عندها انتبها إلى أن الوقت لن يلبث حتى يدفعهما إلى البحث لها عن عريس طيب.
فامتثلتا على الفور وأسرعتا نحوه.. فاحتضنتاه . ثم أسرعتا بإكمال كتابة خطابيهما ثم غادر ثلاثتهم الشقة معا . وهو ما لم يفعلوه منذ عدة شهور مضت..واستقلوا الترام, متجهين صوب الخلاء الفسيح, في خارج ‏المدينة. وكانت أشعة الشمس الدافئة قد فرشت الترام الذى لم يكن به سواهم. وعندما استندوا بظهورهم فى راحة على مقاعدهم. راحوا يتفحصون الصور التى تخيلوها للمستقبل.. وقد تبدت لهم عند فحصها عن كثب، غير مظلمة على الإطلاق. ذلك أن الأعمال التى كانوا قد حصلوا عليها والتى لم يكونوا قد بحثوا أمرها معا من قبل، كانت ثلاثا من الوظائف الرائعة. كما أنها كانت جميعا كفيلة بأن تتمخض عن نتائج طيبة فيما بعد .. كما أن أكبر تقدم محسوس في وضعهم, كان سيحققه بالطبع انتقالهم إلى شقة أخرى. وقد كانوا يريدون الحصول على شقة أصغر وأرخص. وتتميز إلى جانب هذا بحسن موقعها, وبسهولة القيام بأعبائها. على عكس شقتهم الحالية التى كان جريجور قد اختارها.
واستدار مستر سامسا فى مقعده لينظر إليهما. وفى هدوء تطلع إليهما لحظة. ثم صاح قاتلا: (هيا.. تعاليا الآن. أقبلا. وليكن ما قد كان. و لعلكما أن تهتما بى قليلا أنا أيضا).
قامتا, متجهتين نحو النافذة, وبقيتا هناك، وقد احتضنتا بعضهما البعض فى عنف.
إلا أنه لم يتلق ردا لا من زوجته ولا من ابنته. فلقد كانت الغسالة على ما يبدو قد أهدرت السكينة التى كانت قد أوشكت المرأتان على بلوغها.
قال مستر سامسا : (سوف ألفت نظرها هذا المساء).
انحنت مسزسامسا، وجريتا ثانية على خطابيهما كما لوكانتا قد توقعتا حدوث ذلك. أما مستر سامسا, الذى أدرك أن الغسالة كانت تتوق إلى أن تبدأ في وصف ذلك الأمر بالتفصيل. فقد صدها على الفور بإشارة حاسمة من يده. وعندما اكتشفت أنهم لم يسمحوا لها بسرد الحكاية، تذكرت ما كان ينتظرها على وجه السرعة. وقد كان غيظها قد ثار في حدة بالغة، فاندفعت فى عنف و هى تقول (إلى اللقاء جميعا). وانصرفت بعد أن صفقت الأبواب خلفها فى ضجة هائلة.
ردت الغسالة قائلة : (آه).. كانت تضحك باستخفاف، وتظرف، حتى أنها لم تتمكن من مواصلة حديثها على الفور: (هذا هو الأمر, لا تشغلوا بالكم بكيفية التخلص من ذلك الشئ الذى فى الحجرة المجاورة.. فلقد تدبرت أمره بنفسى منذ قليل).
تساءل مستر سامسا الذى كان يطلب من الغسالة أن تبدى احترامها له أكثر من الآخرين : (حسنا، ثم ماذا بعد ذلك؟).
صاح مستر سامسا – حسنا وظلت المرأة فى وقفتها عند مدخل الباب متجهمة كما لوكان لديها ثمة أخبار سارة تود أن تنهيها إلى الأسرة.. لكنها كانت قد قررت ألا تتفوه بكلمة ما لم يطلب إليها ذلك. وقد كانت ريشة النعامة المثبتة فوق قمة قبعتها فى اعتدال, والتى كان وجودها يضايق مستر سامسا منذ أن تمت خطوبة الغسالة, كانت تتمايل فى سعادة فى كل اتجاه.
فقد كتب مسترسامسا اعتذارا للإدارة التي يعمل بها, و كتبت مسز سامسا اعتذارها لعميلها, و كتبت – جريتا – لرئيس المؤسسة التي تتبعها. وبينما كانوا منهمكين فى الكتابة دخلت الغسالة لتخبرهم بذهابها بعد أن فرغت من القيام بعملها الصباحى. ولقد أومئوا لها فى البداية دون أن يرفعوا رؤوسهم نحوها.. لكن حين بدا أنها كانت قد ظلت تحوم حولها فقد تطلعوا إليها بانفعال .
وقرروا قضاء اليوم فى الراحة، والخروج من المنزل فلم يكونوا يستحقون فقط تلك العطلة من العمل. بل لقد كانوا فى أشد الحاجة إليها أيضا. وهكذا جلس ثلاثتهم على المائدة ليكتبوا ثلاثة خطابات للاعتذار عن ا لعمل.

إلا أن مستر سامسا كان قد أومأ فقط باقتضاب مرة أو مرتين بعينين ثابتتين. وعند ذلك راح الساكن يتمشى بالفعل فى خطوات واسعة فى الردهة. وكان رفيقاه يستمعان فقط, واقفين فى هدوء، يواصلان فرك أيديهما بضع لحظات أخرى. ثم أسرعا يهرولان خلفه، كما لو كانا قد خافا أن يبلغ مستر سامسا الردهة قبلهما ، وأن يفصلهما عن زعيمهما ، وفى الردهة تناول ثلاثتهم قبعاتهم من المشجب. كما تناولوا عصيهم من الحامل. وانحنوا فى صمت . ثم غادروا الشقة. وتبعهم مستر سامسا، والمرأتان فى ارتياب لم يكن له ما يبرره. إلى بسطة السلم.. وانحنوا فوق الدرابزين يرقبون الاشخاص الثلاثة الذين كانوا يهبطون السلالم فى بطء، محتجبين عن الأنظار, عند أحد منحنيات السلم فى كل طابق، ليعاودوا الظهور ثانية بعد دقيقة أو نحوها، وكلما هبطوا كلما ازداد اهتمام مستر سامسا بهبوطهم. وعندها التقى بهم أحد صبية الجزارين، وتخطاهم صاعدا السلم فى خيلاء بصينية فوق رأسه، ترك مستر سامسا و المرأتان بسطة السلم إذ ذاك, كما لو كان عبئا قد انزاح عن كاهلهم, وعادوا ثانية إلى داخل شقتهم.
وعندها التقى بهم أحد صبية الجزارين، وتخطاهم صاعدا السلم فى خيلاء بصينية فوق رأسه، ترك مستر سامسا و المرأتان بسطة السلم إذ ذاك, كما لو كان عبئا قد انزاح عن كاهلهم, وعادوا ثانية إلى داخل شقتهم. وانحنوا فوق الدرابزين يرقبون الاشخاص الثلاثة الذين كانوا يهبطون السلالم فى بطء، محتجبين عن الأنظار, عند أحد منحنيات السلم فى كل طابق، ليعاودوا الظهور ثانية بعد دقيقة أو نحوها، وكلما هبطوا كلما ازداد اهتمام مستر سامسا بهبوطهم. وتبعهم مستر سامسا، والمرأتان فى ارتياب لم يكن له ما يبرره. وانحنوا فى صمت . ثم غادروا الشقة. كما تناولوا عصيهم من الحامل. وكان رفيقاه يستمعان فقط, واقفين فى هدوء، يواصلان فرك أيديهما بضع لحظات أخرى. ثم أسرعا يهرولان خلفه، كما لو كانا قد خافا أن يبلغ مستر سامسا الردهة قبلهما ، وأن يفصلهما عن زعيمهما ، وفى الردهة تناول ثلاثتهم قبعاتهم من المشجب.
فقال المستر سامسا وهويتقدم بصحبة المرأتين نحو الساكن مباشرة: (إننى أقصد ما قد قلته!).
فتوقف هذا فى مكانه بهدوء مطرقا إلى الأرض. كما لوكانت أفكاره قد بدأت تتشكل فى داخل رأسه, فهى أشكال جديدةء ثم قال: (لنذهب إذن, على أية حال)! ثم تطلع إلى مستر سامسا، كما لو كان يتوقع بمزيد من الإذعان المفاجىء تغييرا ما فى قراره.
إلا أن مستر سامسا كان قد أومأ فقط باقتضاب مرة أو مرتين بعينين ثابتتين. وعند ذلك راح الساكن يتمشى بالفعل فى خطوات واسعة فى الردهة.
بينما وضع كل من الساكنين الآخرين, يديه خلف ظهره. راح يفركمها ببعضهما ، كما لو كانا يتأهبان فى مرح لخوض معركة مرتقبة كانا يتوقعان خروجهما منها فائزين.
ورد الساكن الأوسط متراجعا قليلا إلى الخلف بابتسامة باهتة: (ما الذى تقصده بهذا؟).
صاح المستر سامسا قائلا, وهو يومىء نحو باب الشقة, دون أن يخلص ذراعيه من ذراعي المرأتين : (غادروا منزلي حالا!).
وعند ذلك فتح باب حجرة نوم سامسا فى زيه, بينما تعلقت زوجته بذراعه وتعلقت ابنته بذراعه الآخر. ولقد بدا ثلاثتهم كما لو كانوا قد بكوا طويلا ، وكانت (جريتا ) تخفى وجهها من وقت لآخر فى ذراع والدها.
إلا أنها وضعت إصبعها فوق شقتيها،وأشارت لهم فى سرعة دون أن تتفوه بكلمة أن يتوجهوا إلى مسترسامسا وزوجته . و ظهر أن مستر سامسا كان قد توجه إلى حجرة جريجور فاتجهوا إليها وتوقفوا هناك وأيديهم مدسوسة فى داخل جيوب معاطفهم المتهدلة بداخل الحجرة التى كان الضوء يغمرها الآن.
وخرج السكان الثلاثة من حجرتهم، وقد ظهرت على وجوههم الدهشة عندما لم يجدوا طعام الإفطار. كانوا قد غابوا عن البال. صاح الساكن الأوسط قائلا للغسالة فى تبرم : (أين إفطارى).
وتبعت جريتا والديها إلى حجرة نومها دون أن تقاوم النظر خلفها إلى الجثة. وأغلقت الغسالة باب الحجرة. وفتحت النافذة على مصراعيها.و على الرغم من أن الوقت كان مبكرا جدا فى الصباح، فقد كان هنالك ثمة رقة كان من الممكن الإحساس بها فى الهواء الطلق. وكان شهر مارس فوق هذا قد أوشك على نهايته.
قالت مسزسامسا، بابتسامة مهزوزة (تعالى الآن إلى جوارنا لحظة قصيرة يا جريتا).
و لقد كان جسم جريجور مسطحا حقا, و جافا للغاية. كما بدا الآن عندما لم يعد مرفوعا بعد فوق سيقانه .. و لم يكن ثمة ما يمنع المرء من التطلع إليه عن كثب.
و قالت – جريتا- التي لم ترتفع عيناها عن الجثة : (انظروا إلى أى حد قد صار هزيلا. لقد مر وقدت طويل ولم يكن قد تناول فيه أى شئ , فلقد كان الطعام يخرج ثانية من حجرته كما دخلها!).
وقال مستر سامسا : (حسنا. والآن شكرا للرب!) ورسم على صدره علامة الصليب. وحذت النسوة الثلاث حذوه.
قالت الغسالة : (يمكننى أن أقول ذلك!) بينما كانت تدفع جثة جريجور بعيدا إلى أحد الجوانب بطرف المكنسة، ئأكيدا لكلامها،وبدت حركة ما عن مسز سامسا، كأنما لتمنعها عن أن تفعل ذلك, لكنها تراجعت.
تطلعت مسزسامسا نحوالغسالة متسائلة: (هل مات؟) على الرغم من أنها كانت قد حدقت فيه بنفسها كما أن الحقيقة كانت واضحة بدرجة كافية دون حاجة إلى أى بحث.
و كانت مسز سامسا فقط فى قميص نومها، وبتلك الملابس دخلا حجرة جريجور. وانفتح فى تلك الأثناء باب حجرة الجلوس أيضا. حيث كانت (جريتا) تنام منذ مجىء السكان. وقد كانت ترتدى ملابسها كاملة كما لولم تكن قد استلقت مطلقا فى فراشها. وقد أكد هذا شحوب وجهها أيضا . ونهض مسترسامسا وزوجته في فراشهما المشترك و قبل أن يتمكنا من إدراك كنه ما أعلنته الغسالة, كانت قد استولت عليهما المفاجأة. التى لم يستوعباها سوى بصعوبة, إلا أنهما نهضا بسرعة من فراشهما. كل منهما من جانب،وألقى مسترسامسا ببطانية فوق كتفه.
لقد مات. إنه ملقى هناك ميتا!).وهتفت في ظلامها بأعلى صوتها، قائلة : «انظروا إلى نلك الأن . إلا أنها لم تضع وقتها فى تأمل الأمر أكثر من ذلك، بل فتحت باب حجرة نوم مستر سامسا وزوجته.كان إدراكها قد استيقظ حينذاك. ولم يستغرقها ذلك طويل وقت حتى تدرك حقيقة الأمر .واتسعت عيناها ثم أطلقت صفيرا مرتفعا.و عندما لم يفلع هذا أيضا في حمله على الحركة أحست بالغيظ، ووخزته بطرف المكنسة فى عنف, وعندما دفعته فوق أرض الحجرة دون أن تتلقى أى مقاومة.متظاهرا بالاستغراق فى أحزانه ولقد دفعها بكاؤها إلى الاقتناع التام بتظاهره بمنع الحركة ولما كان قد تصادف وجود المكنسة ذات اليد الخشبية الطويلة فى يدها، فقد حاولت أن تداعبه بها من خلال فتحة الباب . دون أن تعبأ بتوسلاتهم إليها بأن تقلع عن ذلك ,حتى أن أحداً فى الشقة كلها ، لم يكن فيها بأية ذرة من النوم الهادىء بعد وصولها – لم تكن قد لاحظت شيئا مخالفا للعادة عندما استرقت المنظر كعادتها إلى داخل حجرة جريجور. ولقد ظنت أنه كان مستلقيا عن عمد بلا حراك.وعندما وصلت الغسالة فى الصباح الباكر- تلك الغسالة التى كانت لفرط رعونتها ولفرط تعجلها تفتح كل الأبواب, بكل تلك الضجة..
ومن منخاريه خفقت آخر أنفاسه .
اللاهثة!.أول شعاع من الضوء يصله من العالم الخارجى ثم تهاوت رأسه تلقائيا . فسقطت فوق الأرض. أما القرار الذى كان يقضى عليه بأن يختفي, فقد كان واحدا من الأفكار التى كان متشبثا بها على نحو أشد عنفا من تشبث شقيقته بذلك – لو أمكن له أن يكون أشد عنفا منها – ولقد ظل فى وحدته تلك, وحيرته الصامتة حتى رنت ساعة البرج معلنة الثالثة صباحا… وجذبه هذا مرة أخرى إلى وعيه.وبدا له أن سيزول فى نهاية الأمر وقد كانت التفاحة المتعفنة المغروسة فى ظهره والجراح الملتهبة التى تحيطها والغطاء كله بالأتربة الناعمة لا يسبب أى نوع من الألم. وراح يفكر فى أسرته. فى رقة، وحب.‎قال جريجور لنفسه – و هو يلتفت في الظلام من حوله : ( ماذا بعد؟).. وسرعان ما اكتشف أنه لم يكن قادرا أن يحرك الآن أى طرف من أطرافه، ولم يدهش لذلك، إلا أن ما بدا له غيرطبيعى هوعجزه التام عن أن يتحرك زاحفا فوق تلك السيقان الدقيقة الواهنة. لكنه كان قد أحس رغم ذلك بالراحة التامة ولقد كان جسمه كله يؤلمه حقا, إلا أنه أحس بأن ذلك الألم قد بدأ يتناقص تدريجيا . ثم صاحت قائلة لوللديها: (أخيرا) بينما كانت تدير المفتاح داخل القفل!.كانت قد انتصبت واقفة على أهبة الاستعداد. ثم وثبت وثبة خفيفة إلى الأمام، حتى أن جريجور لم يكن قد سمع وقع خطواتها عندما تبعته. و لقد أزعجته تلك الضجة المفاجئة غاية الإزعاج، حتى أن سيقانه الدقيقة قد تهاوت من تحته. لقد كانت شقيقته هى التى بدأت كل ذلك التسرع. وما كاد أن أصبح فى داخل حجرته, حتى انغلق الباب خلفه فى سرعة وأحكم رتاجه، ثم دار المفتاح أيضا دورتين داخل الكالون.
ذلك أن عضلات رقبته قد تصلبت أخيرا بشدة. إلا أنه كان قد تمكن من إدارتها إلى حد كان كافيا لكى يرى أن شيئا لم يتغير خلفه . فيما عدا أن شقيقته كانت قد انتصبت واقفة على قدميها. وسقطت نظرته الأخيرة على أمه التى كانت قد استغرقت تماما فى النوم. لكنه فقط كان قد أدار رأسه إلى الخلف, عندما كان قد أصبح أمام باب حجرته. لم يكن قد أدارها تماما..
بمثل تلك السرعة التى كان قد قطعها بها ، فى تلك الحالة من الضعف التى كان يبدوعليها ، وكان قد لاحظ أنهم لم يتفوهوا بكلمة واحدة، و لا كانت صيحة قد تدخلت فى محاولته الناجحة عندما كان قد صمم على أن يزحف بأقصى سرعة ممكنة. و لقد أدهشته تلك المسافة الطويلة التى كانت تفصله عن الحجرة. ولم يستطع أن يتذكر كيف استطاع أن يقطع هذه المسافة نفسها. كما أن أحدا لم يزعجه. بل كان قد ترك لنفسه..و عندما أتم دورته زحف عل الفور راجعا إلى حجرته مباشرة. لم يكن في وسعه أن يمنع نفسه من اللهاث تحت وطأة المجهود. و كان يتوقف من حين لآخر حتى يلتقط أنفاسه.و فكر جريجور قائلا في نفسه ( ربما أمكنني أن أمضي الآن محاولا الدوران), و بدأ مرة أخرى في محاولته.
أما والده و شقيقته فقد ظلا جالسين بجوار بعضهما , و كانت ذراع شقيقته قد التفت حول عنق الرجل العجوز. و التصقتا ببعضهما. و كانت عيناها مغلقتين تقريبا, في حالة من الرعب. و كانوا الآن يرقبونه في صمت مطبق. استلقت أمه فوق مقعدها, و قد امتدت ساقاها. و بدا أن من الممكن إدراك نواياه الطيبة. كان فزعهم مؤقتا.ثم توقف و تطلع حوله..
و لكنها كانت عملية تدفع من يشاهدها دون شك إلى أن ينتفض من الرعب. فلم يكن يمكنه أن يأتي بأغلب الحركات المعقدة اللازمة لدوراته. فيما عدا رفع رأسه. ثم حكها في الأرض مرة بعد الأخرى .
لكن لم تكن لدى جريجور أدنى نية فى إفزاع أى شخص فضلا عن شقيقته, كان فقط قد بدأ يستدير لكي يزحف راجعا إلى حجرته. الذي انتصب واقفا بدوره. وقد تملكه الغضب لفزعها . فمد ذراعيه أمامه للذود عنها. كما لو كانت على استعداد للتضحية بأمها. بدلا من أن تبقى قريبة إلى هذا الحد من جريجور. ثم اندفعت مختفية خلف والدها. وبانتقاضة رعب لم يتمكن جريجور مطلقا من أن يفهمها, حتى لقد أفزغت أمها أيضا, دفعت المقعد بعيدا عنها..
» ثم صرخت قائلة فجأة«ها هو ذا يعود ثانية إلى إزعاجنا٠» إلا أننا سنتمكن من مواصلة الحب. وسيمكننا أن نحتفظ بذاكراه فى إعزاز، لكن فى حالتنا هذه, فإن وجود هذا المخلوق يعذبنا، ويدفع سكاننا إلى الهرب، فتأمل هذا يا أبي؟ فلعلنا أن نصل مع حينئذ إلى حل ما، إلا أنه لما كانت….»٠
صرخت شقيقة جريجور قائلة : «يجب عليه أن يذهب. هذا هو الحل الوحيد يا أبى. يجب عليك فقط أن تحاول التخلص من فكرة أن هذا
هوجريجور. إن اعتقادنا فى نلك طوال تك المدة, هوأصل كل متاعبنا. لكن كيف يمكن أن يكون هو جريجور؟ لو أن هذا هو جريجور , لكان قد أدرك منذ قت طويل أن البشر لا يمكنهم أن يعيشوا مع مثل هذا المخلوق.ولكان قد رحل بعيدا من نفسه .ولن يكون لنا أخ حينئذ.. وعاد الرجل إلى تكرار قوله : (لوأمكنه أن يدرك حالنا؟) مغلقا عينه , لكى يتدبر اقناع ابنته بأن ذلك الإدراك كان مستحيلا. وشوحت (جريتا) ,التى كانت ما تزال تبكى فى حدة بيدها، حتى توضح له إلى أى مدى يستحيل التقكير في ذلك. فقال والد جريجور فيما يشبه التساؤل : (لو أمكنه أنه يدرك حالنا)؟. ‎ ‏‎ هزت شقيقة جريجور كتفيها فقط لتعلن شعورها بالعجز، الذى كان قد سيطر الآن عليها، أثناء بكائها على النقيض من ثقتها السابقة. قال الرجل العجوز بتعاطف وإدراك واضح: (لكن ما الذى يمكننا أن نفعله يا عزيزتى ؟) . ‎ ‏‎ثم انخرطت في نهنهتها تلك المفعمة, حتى أن دموعها انهمرت فوق وجه أمها, حيث جففتها بطريقة آلية.
إننى أرى هذه النهاية. فعندما يكون للمرء أن يفعل مثل تلك المشقة التى نعانيها جميعا, فإنه لا يمكنه أن يحتمل مشقة هذا العذاب المستمر فى البيت فوق مشقته. إننى على الأقل لم أعد احتملها أكثر من ذلك).
وقالت شقيقته أخيرا لوالدتها فى صراحة بينما كانت أمها ثسعل في تلاحق حتى أنها لم تكن تسمع كلمة واحدة مما يقال: (يجب علينا أن نحاول التخلص منه. فلسوف ينتهي هذا الحال بكليكما إلى الهلال.
و راح يعبث بأصابعه في “كاب” الخدمة الذي كان موضوعا وسط الأطباق التي تبقت مكانها بعد انتهاء عشاء السكان، وراح يتطلع من وقت لآخر إلى هيكل جريجور الثابت فى مكانه.واندفعت أخته نحوها ،وأخذت جبهتها بين راحتيها. أما أفكار والده فقد بدت و كانت قد تخطت كل ما أحاط بكلمات «جريتا» من غموض . فاعتدل فى جلسته.
أما أمه التي كانت اختفت لعجزها عن التنفس, فقد راحت تسعل في راحة يدها وعيناها تشعان بنظرة وحشية . قال والد جريجور في نقسه : “إنها محقة إلى أبعد الحدود!”.
وقالت أخته وهى تضرب المائدة بيدها ، كمقدمة لحديثها : “لا يمكن أن تظل الأمور تجرى على هذا النحو يا والدى العزيزين. ربما لا يمكنكما أن تدركا هذا , إلا أننى أدركه إننى لا يمكننى أن أتفوه باسم أخى فى وجود ذلك المفلوق، على هذا فإن كل ما لدى لأقوله هو: يجب ‏أن نحاول التخلص منه, فلقد حاولنا أن نعنى به، وأن نحتمله بقدر ما وسعنا أن نفعل نلك, إنسانيا, إلا أنني لا أظن أن أحدا سيلومنا أقل اللوم”.
منزلقأ من بين أصابعها المرتعشة إلى الأرض، مطلقا صوتا مدويا. ولم يكن يمكنه أن يقاوم حتى الأصوات التى كانت قد انبعثت من المكان. عندما سقط من حجر أمه.. وقد كانت خيبة أمله تفشل خطته، وربما أيضا ضعفه لذى كان ناتجا عن شدة جوعه. وقد تسبب في انعدام قدرته على الحركة. ولقد خاف – بتوقع بالغ – من أن يتحول ذلك التوتر الشامل، إلى هجوم من الجميع عليه وظل مستلقيا فى انتظار ما قد يحدث له.
إلا أن اهتزازات رأسه المتتابعة التى بدت وكأنه كان قد فقد سيطرته عليها أوضحت أنه كان أبعد ما يكون عن النعاس. وكان جريجور قد ظل طوال نلك الوقت واقفا فى هدوء فى نفس البقعة التى كان السكان قد لمحوه عندها. ترنح والد جريجود متلمسا الهواء بأصابع يديه, فى طريقه إلى الأمام, ثم انحط فوق مقعده. ولقد بدا كما لو كان قد مدد نفسه فى جلسته المعهودة تلك لإغفاءة مسائية من تلك الإغفاءات التى كان قد اعتادها .
ولقد اندفع صديقاه، فى الواقع, من خلال تلك الثغرة نقسها، بتلك الكلمات : (ونحن نلفت نظرك إلى هذا) وعند هذا الحد أمسك الساكن الأوسط بمقبض الباب، وصفععه، فانغلق بفرقعة مدوية. ثم توقف وحدق أمامه فى الهواء مباشرة، كما لوكان يتوقع شيئا ما.. لكى يجبره على التوقف. ثم قال الساكن رافعا إحدى يديه. متطلعا نحو والد جريجور, وشقيقته هى أيضا: (اسمح لى أن أعلن لك, أننى بسبب تلك الأوضاع المقرفة التى تسود هذا البيت،وهذه االأسرة – وهنا بصق فوق الأرض باقتضاب صارم – ألفت نظرك إلى هذا… فلن أدفع لك طبعا ، حتى ولا أجر الأيام التى قضيتها هنا, بل على العكس, سأرفع دعوى ضدك, أتهمك فيها بالتخريب صدقني وسأبنيها على حيثيات سأتمكن من إثبات قوة أثرها فى سهولة)..
وانسلت خارجة قبل أن يصل السكان بالفعل إلى غرفتهم. وكانت قد انتابت الرجل العجوز نوبة أخرى من نوبات عناده لتأكيد ذاته, حتى أنه كان قد نسى كل ما كان يجب عليه أن يبديه من الاحترام لسكانه, فلقد ظل يدفعهم أمامه, ويدفعهم,حتى دق الساكن الأوسط الأرض بقدمه فى عنف عند مدخل حجرة النوم.
وكان فى إمكان المرء أن يرى الوسائد و الأغطية وهى تتطاير فى الهواء تحت أصابعها المدربة. لتستقر مرتبة غاية الترتيب فى أماكنها. وكانت قد فرغت كذلك من ترتيب الأسرة. وعادت شقيقة جريجور إلى وعيها قى تلك الأثناء. بعد أن كانت قد ظلت واققة هناك, فى مكانها ، كما لوكانت غابت عن الوعى، عندما قوطع عزفها على تلك الصورة, وجمعت شتات نفسها على الفور, بعد أن تجمدت لحظة ممسكة بالكمان والقوس بيدين مرتعشتين, معلقتين فى الهواء, محملقة فى نوتتها الموسيقية, دفعت الكمان إلى حضن والدتها – التى كانت جالسة فى نفس مكانها ، تجاهد إحدى نوبات الربو, فى سبيل التقاط أنفاسها- واندفعت إلى داخل حجرة السكان, الذين كانوا فى اتجاهها الآن أمام تقدم والدها على نحو أسرع من ذى قبل.
ولقد طلبوا تفسيرا لذلك الأمر, من والده, ولوحوا له بأذرعتهم، كما لوح لهم, وراحوا يجذبون شعر لحاهم فى عصبية.. ولم يقفلوا راجعين إلى حجرتهم مرغمين. أم أنهم كانوا قد غضبوا فقط حين ظهر لهم فجاة . إن ثمة جارا كجريجور كان يشغل الحجرة المجاورة لهم دون أن ينتبهوا إلى ذلك. إلا أن قليلا من الغضب كان قد بدأ يتملقهم الآن بالفعل. ولم يكن يسع المرء أن يدرك هل كان غضبهم قد ثار لسلوك الرجل العجوز. و بدلا من دفع جريجور إلى خارج الحجرة بدأ والده بتهدئة السكان، على الرغم من أنهم لم يكونوا قد وجدوا في التطلع إليه- على ما يبدو – تسلية أكثر إمتاعا من الاستماع إلى العزف على الكمان. وأسرع والد جريجور نحوهم ناشرا ذراعيه , محاولا أن يحملهم على العودة إلى حجرتهم. و أن يحجب رؤية جريجور عن أنظارهم في الوقت نفسه..
صمت صوت الكمان, و ابتسم الساكن الأوسط لصديقيه فى البداية بهزة من رأسه, ثم تطلع مرة أخرى إلى جريجور.
و أشار بيده دون إضافة مزيد من الكلمات , نحوجريجور الذي كان يتقدم حينئذ ببطء نحو الأمام . صاح الساكن الأوسط قائلا لوالد جريجور: (مستر سامسا!)..
و لم يكن ليستمع إلى اعتراض قط في هذا االشأن. ولسوف تتأثر شقيقته جدا ، لاعترافه هذا, حتى أن دموعها ستنهمر, ليرفع جريجور نفسه حينئذ حتى يبلغ كتفيها, ومن ثم يطبع قبلة قوق عنقها الذي كانت قد تركته عاريا الآن بلا شريط، ولا ياقة , بما إنها كانت تخرج للعمل. وأنه كان قد حزم أمره نهائيا على إرسالها إلى الكونسيرفاتوار. وأنه – لولا نكبته – كان سيعلن ذلك على الجميع فى عيد الميلاد – هل مر عيد الميلاد حقا منذ وقت طويل؟ – بدافع من رغبتها الخاصة. وسوف تجلس بجواره على الكنبة. وتميل عليه بأذنها لتمسعه وهو يمر إليها . على الأقل, طالما بقى على قيد الحياة. ولسوف يصبح منظره المرعب ذا فائدة له, للمرة الأولى. فلسوف يرقب كل أبواب غرفته فى يقظة ويبصق على المتطفلين. ولن تحتاج شقيقته إلى أى شكل من أشكال الضغط. فلسوف تبقى إلى جواره. ليجذب طرف جونيلتها ، لعلها تدرك أن عليها أن تجىء بكمانها إلى داخل حجرته – ذلك أن أحدا لا يتذوق عزفها. كما يمكنه هو أن يتذوقه ولن يدعها تخرج من حجرته.. لقد كان يحس كما لو كان الطريق قد انفتح أمامه إلى الغذاء المجهول الذى كان يشتهيه. ولقد صمم على مواصلة زحفه حتى يبلغ مكان شقيقته. فربما أمكن أن تلتقي عيناه بعينيها. فهل كان حيوانا, إذا كان للموسيقى كل هذا التأثير عليه؟. وتقدم جريجور زاحفا مسافة أخرى قصيرة إلى الأمام, وخفض رأسه نحوالأرض .
إلا أن شقيقته كانت تعزف بغاية الروعة وكان وجهها مائلا فى انفعال إلى جانب, وعيناها تتابعان النوتة الموسيقية فى حزن. وكان باستطاعة المرء أن يتكهن بانزعاجهم من الطريقة التى ينفخون بها دخان سجائرهم عاليا فى الهواء,من خلال أنوفهم, وأفواههم. وأصبحوا الآن يعانون من مواصلة ذلك الإزعاج, البعيد عن اللياقة. ولقد أوضح سلوكهم هذا حقا إلى أبعد الحدود أن أملهم كان قد خاب فى الاستماع إلى عزف جيد, أو مسل, على الكمان.. وأنهم كانوا قد اكتفوا من المقطوعة بهذا القدر. بحيث كان يمكنهم جميعا أن يقرأوا الموسيقى – و لا بد أن هذا قد ضايق شقيقته –فقد تراجعوا , مع ذلك, نحو النافذة. وراحوا يتحدثون فيما يشبه الهمس برؤوسهم المطرقة إلى أسفل. وظلوا هناك، بينما تابعهم والده بنظراته القلقة. أما السكان ,الذين كانوا قد جلسوا ، بأيديهم مدسوسة فى داخل جيوبهم, ملتصقين بحامل النوتة الموسيقية ..
ولقد لاحظ , من باب الاحتياط , أن أحدا لم يكن منتبها لوجوده… فقد كانت الأسرة كلها قد استغرقت فى الاستماع إلى العزف على الكمان.
ذات يوم عديدا من المرات.. لكن لم يمنعه أي ظل من الحرج, على الرغم من حالته تلك, من أن يتقدم قليلا فوق أرضية الحجرة النظيفة. وكان شعوره بالغربة الشديدة بالنسبة للجميع, أكبر من أن يسمح له بأن ينقلب على ظهره, وأن يحك جسمه فوق السجادة.. حتى يبدو نظيفا إلى حد ما.كما اتفق له أن فعل ذلك. ما يدفعه إلى الاختباء, لوجود تلك الكميات الهائلة من الأتربة التى كانت تتراكم داخل حجرته. وتثور فى الهواء لأقل حركة، كما أنه كان هو نفسه معفرا بالأتربة وكان الزغب، والشعر وبقايا الطعام ينجر خلقه, ملتصقا بظهره وبكل من جانبيه. ولقد كانت قد مرت به فترة ما- كان يفخر فيها بتعقله، إلا أنه كان لديه. فى تلك المناسبة بالذات.. وراح الأب والأم من كلا الركنين الجانبين يتابعان تحركات يديها باهتمام. واندفع جريجور بتأثير العزف قليلا إلى الأمام، حتى أصبع رأسه بالفعل فى داخل حجرة الجلوس.. و بدأت شقيقة جريجور فى العزف…
قدمه إليها أحد السكان. و لما كانت قد تركت المقعد كما هو حيث تصادف أن وضعه لها الساكن , فقد جاءت جلستها في أحد الأركان الجانبية. وقد دس يده اليمنى ببن زرارين من أزرار سترة عمله, التى كان قد زررها بطريقة رسمية محكمة. و تقبلت والدته مقعدا .. فكانت لديهما لهذا فكرة متضخمة من المجاملة اللائقة بالسكان، لم يخاطر والداه بالجلوس لهذا فى مقعديهما الخصوصيين، بل استند والده بظهره إلى الباب. والنوتة فى يد الأم، والكمان تحمله شقيقته. وأعدت شقيقته كل شئ فى هدوء للبدء فى العزف. ولم يخاطر والداه اللذان لم يسبقه لهما من قبل تأجيرغرفهما… لأن والد جريجور كان قد صاح قائلا: (هل أزعجكم صوت العزف على الكمان, يا أيها السادة؟. يمكننا أن نوقفه على الفور). فرد الساكن الأوسط قائلا: (بالعكس. هل يمكن أن تأتى الآنسة سامسا ، لتعزف فى تلك الحجرة بجوارنا ، حيث يناسبها ذلك, ويريحها أكثر؟) فصاح والد جريجور قائلا: (يمكننا ذلك بالتأكيد)، كما لوكان هونفسه عازف الكمان. وعاد السكان الثلاثة إلى حجرة الجلوس. وجلسوا فى الانتظار , ووصل والد جريجور ومعه حامل النوتة. ويدخنون. عندما بدأ العزف على الكمان أرهفوا أسماعهم, وهبوا واقفين علي أقدامهم, ثم تسربوا على أطراف أصابعهم إلى الباب المؤدى إلى الردهة, حيث توقفوا متلاصقين بعضهم ببعض. ولابد أن حركتهم كانت مسموعة داخل المطبخ. انبعث صوت العزف على الكمان صادرا من المطبخ, وكان السكان قد فرغوا للتو من تناول العشاء. وأحضر الرجل الأوسط إحدى الصحف وأعطى واحدة من أوراقها لكل من الساكنين الأخرين. وقد كانوا يضطجعون الآن على ظهورهم بارتياح.. يقرأون. فى ذلك المساء – لم يكن جريجور يذكر طوال فترة وجوده هناك, فى داخل حجرته, أنه قد استمع قط إلى صوت الكمان. فى انحناءة طويلة, و(الكاب) في يده.. فكان السكان الثلاثة يقفون مهمهين بشىء ما, فى داخل لحاهم. وعندها يخلون ثانية إلى أنفسهم, كانوا يلتهمون طعامهم فى صمت تام، وقد بدا وضحا لجريجور, من يين الأصوات العديدة التى كانت تصدر عن المائدة , أنه كان يميز صوت أسنانهم أثناء مضغ الطعام. كما لو كان هذا إشارة لجريجور بأن المرء بحاجة إلى الأسنان. حتى يمكنه أن يتناول طعامه, وأن الفكين، مهما بلغت قوتهما لا يفيدان شيئا، بلا أسنان. قال جريجور لنفسه فى حزن : (إننى جائع للغاية , لكن ليس هذا هو الطعام الذى أريده, كيف يملأ هؤلاء السكان بطونهم بينما أكاد أنا أتضور هنا جوعا). كانت الأسرة نفسها تتناول وجباتها في المطبخ, وعند دخول والد جريجور إلى حجرة الجلوس, قبل أن يتجه إلى المطبخ, كان يدور حول المائدة.
كما لو كانوا يتفحصونه قبل أن يشرعوا فى تناوله. وقطع الرجل الذى كان يتوسطهم, والذى كان يبدو مسيطرا على رفيقيه الآخرين إلى حد ما ، قطعة صغيرة من اللحم الموضوع أمامه فى الطبق. ليرى إن كان قد تم نضجه أم يجب أن يعود إلى المطبخ مرة أخرى..لقد أبدى ارتياحه .و تنفست والدة جريجور وشقيقته – اللتان كانتا ترقبانه – قلقتبن – في ارتياح و شرعتا تبتسمان . وظهرت أمه فى الحال. فى مدخل الباب المقابل, وبين يديها طبق ممتلىء باللحم, وخلفها مباشرة شقيقته تحمل طبقا ممتلئا بكومة عالية من البطاطس. كان البخار الكثيف يتصاعد من الطعام. وانحنى السكان على الطعام الذي وضع أمامهم. كانوا قد جلسوا عند رأس المائدة. حيث كان يجلس جريجور ووالده وأمه فى الماضي لتناول وجباتهم. فرد كل منهم فوطته ، وأمسك بالشوكة والسكين. إلا أن الغسالة – كانت قد تركت الباب مفتوحا قليلا ذات مرة, وظل الباب موروبا على ذلك النحو, حتى بعد أن أضئ المصباح، وقدم السكان الثلاثة لتناول العشاء.
و لما كان السكان الجدد غالبا ما يتناولون عشائهم بالمنزل, في حجرة الجلوس المعهودة نفسها, فقد ظل باب الحجرة مغلقا دائما كل مساء إلا أن جريجور كان قد اعتاد بسهولة تامة على إغلاق الباب, حتى أنه عندما كان يفتح في كثير من الأحيان في بعض الليالي لم يكن جريجور يلحظ ذلك مطلقا. و كان يبقى متمددا في مكانه, في أقصى ركن مظلم من حجرته مختبئاً تماما عن أنظار الأسرة.
إلا أن تلك الأشياء بقيت فقط في الحقيقة حيث اتفق أن ألقتها الغسالة, إلا عندما كان جريجور يشق لنفسه طريقا وسط أكوام تلك البقايا.. فيبعثرها على نحو ما, مضطرا في بداية الأمر, حيث لم يكن أمامه متسع من الفراغ لكي يزحف فيه. ثم بسعادة متزايدة فيما بعد. على الرغم من أنه كان يشعر بالحزن بعد تلك الرياضة فكان يتمدد بلا حراك, متعبا لدرجة الموت, عدة ساعات.
و ربما كانت تجمعها في كومة, حتى تلقى بها في النهاية إلى الخارج. و لقد وجدت كل تلك الأشياء طريقها بالطبع إلى حجرة جريجور. كما وجدت صفيحة الرماد,و كذلك صفيحة القمامة هي أيضا طريقها إلى حجرته. و كل ما لم يكن يلزم استعماله في حينه. كانت الغسالة التي كانت تؤدي كل شئ في سرعة بالغة تطوح به ببساطة إلى داخل حجرة جريجور. إلا أن جريجور لحسن حظه لم يكن يرى فقط سوى الأشياء التي كانت تطوحها إلى داخل حجرته و يدها التي كانت تطوح بها تلك الأشياء فقط. و قد استغنوا عن عديد من الأشياء – لا لقذارتها – بل لأنهم لم يكونوا يحتملون وجودها بداخله, كما أنهم علاوة على ذلك قد أحضروا معهم بعض الأثاث الذي كانوا بحاجة إليه. و لهذا السبب أمكن الاستغناء عن عديد من الأشياء التي لم تكن ذات نفع حتى يمكن بيعها, و لم تكن لتلقى بعيدا أيضا. وكانت حجرته قد اكتظت أخيرا بالعديد من هذه الأشياء . حيث كانت إحدى الحجرات قد أخليت لثلاثة من السكان. وقد كان لدى هؤلاء الشبان الثلاثة – الجادين – كان ثلاثتهم نوى لحى كثيفة كما لاحظ جريجور من خلال شقوق الباب. ولع شديد بالنظام لا فى داخل حجرتهم فقط، وإنما فى كل مكان بالمنزل. طالما أنهم قد أصبحوا الآن من سكانه وخاصة في داخل المطبخ . لم يعد جريجود يأكل الآن أى شىء تقريبا. وحينما كان يمر فقط بجوار الطعام الذى كان يوضع من أجله.. كان يتناول جزءا صغيرا من أي شىء على سبيل التسلية, فيبقى فى فمه حوالى الساعة. ثم يبصقه مرة أخرى عادة وكان قد ظن فى بداية الأمر أن حزنه على سوء حال حجرته هو ما كان يمنعه عن الطعام إلا أنه سرعان ما اعتاد كل ما كان يطرأ علي حجرته من التغيرات العديدة. وكان قد أصبح من عادة الأسرة أن تدفع إلى حجرته بكل الأشياء التى لم يكن لها أى مكان آخر فى الشقة.
على الرغم من بطء حركته, وعجزه الشديد. عندما بدأت تخاطبه ثانية على ذلك النحو, لكن بدلا من أن يبدو الخوف على الغسالة.. كانت فقط قد رفعت مقعدا تصادف وجوده بجوار الباب. و كان واضحا، عندما انتصبت هناك بفمها المفقور على اتساعه ,أنها لم تكن تنوى إغلاق الباب إلا بعد أن ينزل المقعد فوق ظهر جريجور تساءلت قائلة له: ( أنت إذن لن تقترب؟) .. بينما كان جريجور قد استدار مبتعدا ، فوضعت المقعد ثانية بهدوء فى أحد الأركان. وكانت قد اعتادت فى البداية أن تناديه بكلمات ربما كانت تظنها ودية.. كقولها له: ( و الآن تعال هنا يا خنفس الفضلات العجوز!),أو (انظروا الآن إلى خنفس الفضلات العجوز!) لم يكن جريجور يستجيب مطلقا لمثل تلك الندائات, وإنما كان يظل قابعا في مكانه بلاحراك, كما لو لم يكن الباب قد فتح بالمرة. ربما كان عليهم أن يأمروا ٠ تلك الغسالة بتنظيف حجرته يوميا بدلا من السماح لها بإزعاجه باستهتار إلى نلك الحد, كلما راق لها أن تفعل. وذات مرة فى الصباح الباكر – وكانت الأمطار الغزيرة تصفع زجاج النافذة ربما إيذانا بقرب حلول الربيع- كان جريجور ساخطا غاية السخط حتى أنه اندفع نحوها. كما لو كان ينوى مهاجمتها. كانت قد فتحت باب حجرته ذات مرة دون قصد. وعند رؤيتها لجريجور الذى اندفع مضطربا هنا وهناك لمفاجأته رغم أن أحدا لم يكن يطارده، توقفت فحسب فى مكانها عاقدة ذراعيها ومنذ ذلك الحين لم تترك مناسبة لفتح حجرته قليلا لمدة دقيقة فى الصباح وفى المساء لتلقى نظرة عليه. ولم تعد هناك حاجة بعد ذلك إلى تدخل الأم حتى بعد أن تعبت الأخت من مواصلة العناية بجريجور لإرهاق قواها فى عملها اليومى. كما لم يعد ثمة ما يدعو إلى إهمال جريجور تماما. فلقد كانت الغسالة هناك تلك الأرملة العجوز التى ساعدها بناؤها الضخم المتين على أن تبعث فى جريجور أسوأ ما أمكنها أن تبعثه فيه إلى الحياة.
وأطلق جريجور صفيرا مرتقعا معلنا غضبه لأن أحدا منهم لم يفكر فى إغلاق الباب حتى يجنبه رؤية مثل ذلك المثسهد وتلك الضجة الهائلة. بينما حاولت الأم أن تجذب الأب إلى حجرة نومه بما أنه كان مهتاجا فوق طاقته. وكانت الأخت تنشج بشهقاتها ثم راحت تدق المائدة بقبضتيها الصغيرتين.
و صرخ في الأخت على يساره بأنه ليس لها بعد الآن أن تقوم بتنظيف حجرة جريجور. بينما تطلع والداها.. كان والدها فى تفزع بالطبع ناهضا من فوق مقعده فى حيرة عاجزة فى بداية الأمر ثم خرجا عن الصمت أخيرا فلام الأب الأم إلى يمينه لعدم تركها تنظيف حجرة جريجور لشقيقته. وعلى الرغم من ذراعى أمها المرفوعتين فى توسل انفجرت فى عاصفة من البكاء.. فما أن لمحت شقيقته منظرحجرته المتغير فى تلك الليلة حتى اندفعت محنقة غاية الحنق إلى حجرة الجلوس . فى حساسية كانت جديدة عليها. وكانت تبدو كما لو كانت قد انتقلت عدواها إلى باقى الأسرة. وكانت أمه قد قامت فى إحدى المرات لتنظيف حجرته تنظيفا شاملا وقد استخدمت لذلك عدة جرادل من الماء- وقد ضايقت تلك الرطوبة كلها جريجور بالطبع هو أيضا فاستلقى متمددا فى استياء دون حراك فوق الكنبة – إلا أنها نالت عقابها على ما جنت يداها. وكانت لطشات من القذارة قد امتدت على طول الجدران وكانت تتناثرهنا وهناك كتل من الأتربة والقذارة وكان جريجور قد اعتاد في بداية الأمر أن يقع فى أحد الأركان والقذارة عندما تدخل شقيقته حتى يلومها في قرارته على ما يبدو, الا أنه ظل قابعا هناك فى ركنه ذاك لعدة أسابيع دون أن يتمكن من أن يدفعها إلى القيام بتنظيفه ولقد كان في وسعها أن ترى الأتربة كما كان يراها. إلا أنها ببساطة كانت قد قررت أن تتركها على حالها. لكنها دافعت فى حماس فى الوقت نفسه عن حقها، فى أن تنفرد برعاية شئون جريجور. إنه – كما كان يحدث فى أغلب الأحيان – قد ظل كما هو دون أن يمس. لم يكن لتنظيف حجرته الذى كانت تقوم بأدائه فى المساء يمكن أن يتم بصورة أسرع مما كانت تؤديه بها. لكن فقط فى الصباح, فى المساء فقد كانت تدفع بقدمها إلى داخل حجرته ما كان يقع تحت يدها من الطعام. تتعجل قبل أن تذهب إلى عملها. كانت ترفع بقاياه فى المساء, بضربة واحدة من المكنسة غير عابئة بما إذا كان الطعام قد راق له. و على الرغم من أنه لم يكن لديه فكرة محددة عما كان يمكن أن يأكله. فقد كان يفكر في الدخول إلى حجرة الكرار ليحصل على الطعام الني كان فوق كل شىء حقا مشروعا له حتى و لو لم يكن جائعا و لم تلبث شقيقته حتى اهتمت بأن تحضر له ما كان يرضيه. و إنما كان مفعما فقط بالغضب لإهمالهم له إلى ذلك الحد.. و لقد كان سعيدا باختفائهم. و في أحيان أخرى. لم تكن حالته تسمح له بالتفكير في أسرته. وبالاضافة إليهم غرباء أو أناس كان قد نسيهم تماما إلا أنهم جميعا بدلا من أن يساعدوه أو يعينوا أسرته لم يعثر المرء على أي أثر لهم قط. وخادمة فى إحدى الفنادق الريفية ذكرى جميلة عابرة وعاملة خزينة فى أحد محال بيع القبعات. كان قد تودد إليها بإخلاص. لكن بغاية البطء ظهر كل هؤلاء. واثنين أو ثلاثة من أصدقائه الذين يعملون فى مؤسسات أخرى. والباشكاتب فى مخيلته مرة أخرى بعد تلك الفترة
الطويلة والتجار المتجولين والمستخدمين.. والعمال الذين بدوا بذلك الحمق. وأصبح من النادر أن ينام جريجور بطول الليل أو النهار وكانت تستبد به على الأغلب فكرة أنه ما أن يفتح الباب ثانية. حتى ينهض
للقيام بكل أعباء الأسرة مرة أخرى. كما اعتاد أن يفعل من قبل. ويظهر شبح الرئيس..
وغرق جريجور ثانية في ظلام حجرته بينما اختلطت دموع المرأتين في الحجرة الأخرى أو لعلهما جلستا بلا دموع تحدقان في المائدة ! ثم أشارت والدته عندئذ إلى حجرته قائلة : ( أغلقي ذلك الباب يا جريتا ) .. وكان الجرح الذي في ظهر جريجور قد بدأ يؤلمه من جديد حينما كانت أمه وشقيقته , بعد أن رافقتا والده إلى الفراش , وقد عادتا ثانية وتركتا عملهما واقتربتا من بعضهما وجلستا متلاصقتين .. أما ما عدا ذلك فلم يكن لديهم من الجهد ما يغريهم على أدائه . وكانت الأم قد نذرت كل قواها في تطريز الملابس للغرباء أما الأخت فكانت تتراكض هنا وهناك خلف منضدة البيع , تلبية لرغبة الزبائن . فلقد كانوا قد بلغوا أقصى ما يمكن أن تبلغه الرؤساء من الناس تحت ضغط الأقدار . كان الأب يحضر الفطور لصغار الكتبة في البنك . فقد كان تقريبا هو يأسهم التام . اعتقادهم أن الأقدار قد اختصتهم بمصيبة . لن يحدث لها مثيل قط لأي من أقربائهم أو معارفهم . لأنه كان يمكنهم بسهولة أن يعوقهم حقيقة عن الانتقال إلى شقة أخرى .
مع أن جريجور كان يرى بوضوح تام , أن ما يتعلق به من اعتبارات لم يكن هو اللعبة الأساسية التي تمنعهم من الانتقال .
إلا أن أشد ما كان يسخطهم , هي حقيقة أنهم لم يكن يمكنهم إخلاء الشقة التي كانت قد أصبحت متسعة الآن جدا , بالنسبة لظروفهم الراهنة لأنهم لم يكن يمكنهم أن يهتدوا إلى وسيلة ينقلون بها جريجور . أما حلى الأسرة ومقتنياتها جميعا , تلك التياعتادت أمه وشقيقته أن ترتدياها بخيلاء في الحفلات والسهرات , فكان عليها أن تباع . كما اكتشف جريجور ذات مساء عندما سمعهم جميعا يتناقشون حول الأثمان التي كانوا ينتظرونها . كان يجد الوقت ليهتم بشئون جريجور , أكثر مما تتطلبه الضرورة القصوى ؟ كان الاهتمام بشئون المنزل قد هبط أكثر فأكثر . وكانت الخادمة قد رحلت . وكانت تحضر في الصباح و في المساء غسالة ضخمة شرسة يتطاير شعرها الأبيض حول رأسها للقيام بالأعمال المنزلية المرهقة وكانت والدة جريجور تقوم بأداء كل شيء آخر بالإضافة إلى الأكوام الهائلة من أعمال التطريز . المرهقة .. فمن من أفراد تلك الأسرة المكافحة ..
وحينئذ يدفعهما بعيدا عنه ليواصل السير وحده . بينما كانت الأم تترك إبر تطريزها وكانت الابنة تترك قلمها . لتلحقا به .. وتسندانه ثانية .
ويدفعهما إلى أن توصلاه حتى الباب . ومن ثم ينهض متساندا عليهما في تثاقل كما لو كان عبئا ثقيلا بالنسبة لنفسه . وكانت الأخت تترك دروسها لتعاون أمها في مهمتها تلك . إلا أن والد جريجور لم يكن ليستجيب , بل كان يهبط غاطسا في مقعده أكثر من ذي قبل . ولم يكن ليفتح عينيه حتى ترفعه المرأتان من تحت إبطه فينظر إليهما واحدة بعد الأخرى معلقا عادة بقوله : ( هذه هي حياتي .. وتلك هي سكينة وهدوء شيخوختي !) .
ومهما كانت أمه وشقيقته تلحان على ملاحظته باستعجالاتها الرقيقة فقد كان يهز رأسه ما يقرب من ربع الساعة مغلقا عينيه رافضا النهوض على قدميه . وكانت الأم تجذبه من كمه , هامسة في أذنه بتردد .
إلا أنه كان يصر بالعناد الذي كان قد استولى عليه أن أصبح ساعيا بالبنك على البقاء أطول مدة ممكنة بجوار المائدة على الرغم من أنه كان يغرق ثانية في النعاس عادة وفي النهاية وبعد أقصى إلحاح ممكن كان ينهض من على المقعد ذي المساند ويتجه نحو فراشه .
حيث كان يذهب إلى عمله في الساعة السادسة صباحا .. في جلسته تلك فوق المقعد وقد كان النوم المريح هو كل ما يحتاجه . وعندما دقت الساعة معلنة العاشرة حاولت أمه أن توقظ أباه ببعض الكلمات الرقيقة وأن تدفعه بعد ذلك إلى الذهاب إلى فراشه . فلم يكن ليرتاح في نومه .
حتى يظل نظيفا . وكان جريجور ينفق الأمسيات الطويلة محدقا في بقع الشحم العديدة التي كانت تتناثر على ذلك الرداء الذي تلمع فوقه الأزرار المذهبة دائما في غاية اللمعان , والذي يرتديه الرجل العجوز في أثناء نومه مرهقا للغاية لكن في سلام تام . وظل روبه المنزلي معلقا بإهمال فوق شماعته . وكان ينام بملابسه كاملة حيث كان يجلس كما لو كان على أتم استعداد في أية لحظة حتى بينما يكون في منزله إلى تلبية إشارة أو نداء من رئيسه . وكنتيجة لذلك بدأ زيه الذي لم يكن قد تسلمه جديدا تماما عند بدء عمله في الاتساخ , على الرغم من العناية الزائدة التي كانت توليه إياها الأم والأخت .. وكان والده قد تشبث في نوع من العناد بالبقاء مرتديا زى العمل حتى في داخل المنزل .
ومن ثم يستغرق ثانية في النعاس مرة أخرى على الفور بينما تتبادل المرأتان ابتسامة متعبة . منكبة على بعض أشغال التطريز الفاخرة لأحد محلات بيع الملابس الداخلية , أما شقيقته التي كانت قد حصلت على وظيفة بائعة في أحد المحلات فقد كانت تدرس الاختزال واللغة الفرنسية في أثناء تلك الأمسيات , كمحاولة لتحسين وضعها وكان والده يستيقظ أحيانا .. فيقول لوالدته , متجاهلا تماما أنه كان نائما : ( يا للكمية الهائلة من التطريز التي أنجزتها اليوم ! ) . وقد كانت والدته تنحني نحو اللمبة .. كان حديثهم يفتقر حقا إلى طابع الحياة الذي كان يطبعه في الأوقات السابقة والذي كان يتذكره دائما في شوق زائد , في حجرات نوم الفنادق الضيقة , التي كان يتردد عليها ليستلقي مرهقا فوق الأسرة الرطبة , وكانوا يلجأون في أغلب الأحيان إلى الصمت , وسرعان ما كان والده يستغرق نائما في مقعده ذي المسند , وكانت والدته وشقيقته تنبهان بعضهما إلى التزام الصمت .
وعلى الرغم من أن إصابته تلك كانت قد شلت قواه عن الحركة – ربما إلى الأبد – وأصبح زحفه عبر حجرته بمرور الوقت , يستغرقه دقائق طويلة , وكأنه جريح عجوز – ولم يعد ثمة مجال الآن للتساؤل عن الزحف فوق الجدران – إلا أنه كان يرى أنه قد استعاض , إلى حد كاف , عن ذلك الضرر الذي ألم به , بحقيقة أن باب حجرة الجلوس – الذي كان قد اعتاد على مراقبته باعتباره لمدة ساعة أو ساعتين مقدما – كان يترك مفتوحا دائما كل ساعة , حتى أنه كان يمكنه , بينما كان يستلقي مختبئا عن الأنظار وسط ظلام حجرته , أن يراهم جميعا بجوار المائدة , التي كانت تستقر فوقها لمبة مضاءة , وأن يستمع إلى حديثهم , بغاية الرضا , لأنه كان يختلف تماما عما كان قد تسمع إليه منهم من قبل , من أحاديث.
بدت الإصابة الخطيرة التي أصابت جريجور , والتي أقعدته عن الحركة لأكثر من شهر – فقد كانت التفاحة قد انغرست في جسمه كذكرى مرئية .. طالما أن أحدا لم يغامر بإزالتها وكأنها قد دفعت حتى والده نفسه إلى أن يتذكر أن جريجور كان واحدا من أفراد الأسرة , على الرغم من تعاسته الراهنة , وهيئته البشعة , ولا تجب معاملته باعتباره عدوا , وأن واجب الأسرة , على العكس من ذلك يقتضيها نبذ القرف , ومعالجة الصبر ولا شيء غير الصبر .
الفصل الثالث
واحتضنته , متحدة به في وحدة كاملة – إلا أن عيني جريجور أطرقتا عند هذا الحد نحو الأرض – ويداها تلتفان حول عنق والده , كما لو كانت تستعطفه أن يبقى على حياة ابنها ! وبآخر نظرة أمكنه أن يعيها , رأى باب حجرته وقد انفتح , واندفعت أمه خارجة منها , وخلفها شقيقته تطلق صرخاتها – في قميصها الداخلي – لأن ابنتها كانت قد خلعت عنها ملابسها , حتى يسهل عليها التنفس بسهولة أكثر , ويمكنها أن تفيق من إغمائها ! رأى أمه تندفع متجهة نحو والده ..
ومدد جسمه وتعطلت حواسه كلها . وتدحرجت تفاحة لم تكن قد سددت بقوة كافية , فوق ظهر جريجور , ثم انزلقت دون أن تلحق به أي أذى إلا أن واحدة أخرى تبعتها على الفور , استقرت في ظهره وغاصت فيه , وأراد جريجور أن يجر نفسه إلى الأمام , كما لو كان في الإمكان ترك ذلك الألم المفزع , الذي لا يحتمل , خلفه , لكنه أحس به في البقعة نفسها , كما لو كان قد ثبت فيها مسامير .. كان قد ملأ جيوبه بتلك الثمار من أحد الأطباق الممتلئة فوق البوفيه , وراح الآن يسدد التفاحة بعد الأخرى دون أدنى اهتمام بإحكام التسديد في حينه , وتدحرجت التفاحات الصغيرة الحمراء , كما لو كانت كل منها مشدودة بمغناطيس ومسددة نحو الأخرى .. وتوقف جريجور في ذعر ! لم يكن ثمة سبيل الآن لمواصلة الجري إلى الأمام لأن والده كان قد صمم على إطلاق تلك القذائف نحوه !. وتبعتها تفاحة أخرى على الفور !. وكان قد بدأ يشعر الآن بتقطع أنفاسه , تماما كما لم تكن رئتاه تقومان بنشاطهما تلقائيا , في حياته السابقة . وبينما كان مندفعا إلى الأمام محاولا أن يركز طاقته كلها في الجري , فاتحا عينيه في صعوبة , لم يكن جريجور ليفكر في أي مهرب آخر أكثر من مجرد التقدم إلى الأمام , ولما كان قد أوشك غالبا على أن ينسى , أن في مقدوره أن يتحرك فوق الجدران , التي كانت قد انقسمت في تلك الغرفة إلى قطع من الأثاث منحوتة في فخامة , وممتلئة بالعقد والفجوات , استقر شيء ما فجأة مرتطما بالأرض إلى جواره . وتدحرج أمامه ! كانت تفاحة .. ولم تكن العملية كلها في الحقيقة تبدو في صورة مطاردة لأنها كانت قد تمت بغاية البطء !. وهكذا لم يغادر جريجور الأرض , لأنه كان قد خشي أن يعتبر أبوه أية جولة له على الجدران , أو فوق السقف , شرا لعينا , إلا أنه في نفس الوقت لم يحتمل مواصلة ذلك الشوط إلى أبعد من ذلك , لأنه بينما كان أبوه يخطو خطوة واحدة كان هو يقوم في مقابلها بسلسلة كاملة من التحركات !. ويتوقف عندما يقف , ويندفع إلى الأمام ثانية عندما يشعر بأية حركة تند عن والده وبهذه الطريقة دارا في داخل الحجرة عدة دورات دون أن ينتهي ذلك إلى نهاية حاسمة . وقد كان واضحا للغاية أنه لم يكن يدري هو نفسه ما الذي كان ينوي أن يفعله , ورفع قدمه من ذلك إلى أعلى , على نحو غير عادي , وكان جريجور مندهشا لضخامة كعبي حذائه .. إلا أن جريجور لم يجرؤ على أن يخاطر بمواصلة الوقوف أمامه , مدركا , كما أدرك منذ اليوم الأول في حياته الجديدة , أن والده كان معتقدا فقط أن الأساليب الخشنة هي ما يلزم للتعامل معه , وعلى هذا , فقد انطلق يجري أمام والده .. وخلع (( الكاب )) الذي يحمل شارة مذهبة – ربما كانت شارة أحد البنوك – وطوحه في رمية واسعة عبر الحجرة كلها .. إلى الكنبة , وبأطراف أذيال سترته الملقاة خلفه , ويداه غارقتان في جيبي سرواله , تقدم جريجور بوجه متجهم . لقد كان يقف هناك الآن في هيئة ثابتة مرتديا بدلة أنيقة زرقاء اللون ذات أزرار مذهبة , كتلك التي يلبسها سعادة البنوك , وقد انتفخت ذقنه القوية المقسمة إلى شطرين فوق ياقة سترته العالية المنشاة , وتحت حاجبيه المنفوشين تلمع عيناه السوداويين في يقظة , ونظرات نافذة وشعره الأبيض الذي كان أشعت ذات مرة , كان ممشطا الآن , منبسطا على جانبي مفرق يتألق مستقيما في عناية . في مناسبات الأعياد , سار بين جريجور وبين أمه , اللذين كانا يسيران في بطء على نحو ما – أكثر بطئا حتى من سيرهما ذاك البطيء, وقد ارتدى معطفه العتيق , دافعا نفسه إلى الأمام بمجهود , مستندا إلى عصاه ذات المقبض الملتوي , التي كان يتلمس بها الأرض في حذر عند كل خطوة , والذي حينما كان يريد أن يقول شيئا ما , توقف تماما عن السير وجمع حراسه من حوله ؟ إلا أن والده لم يكن في حالة يمكنه فيها إدراك مثل تلك التوضيحات , بل صاح قائلا فور ظهوره , في صوت بدأ الغضب في زمته والانتصار معا لأول وهلة : (( آه ..)) فحسب المسلم به أنه كان قد استغرق للغاية أخيرا في تسليته الجديدة , في الزحف فوق الجدران , فلم يعد لديه نفس الاهتمام السابق بما كان يحدث في اي مكان اخر من الشقة , ويجب عليه حقا أن يعد نفسه لمواجهة بعض التغييرات . لكن على الرغم من هذا كله , هل يمكنه أن يكون هذا هو أباه ؟ ذلك الرجل الذي اعتاد أن يستلقي في سأم , غارقا في الفراش عندما كان جريجور يخرج في إحدى رحلات عمله , والذي كان يستقبله عند عودته ليلا مستلقيا فوق مقعد مستطيل , مرتديا روبه المنزلي , والذي لم يكن يمكنه بالفعل أن ينهض على قدميه , وإنما يرفع ذراعيه فقط للتحية , الذي كان إذا خرج في بعض المناسبات النادرة مع أسرته مرة أو مرتين في العام .. في أيام الآحاد .. وعلى هذا فقد انطلق هاربا نحو باب حجرته , ثم ربض أمامه , لكي يتيح لوالده أن يرى عندما يدخل قادما من الصالة , أن لدى ابنه نية طيبة للدخول ثانية إلى حجرته على الفور وأنه من غير الضروري دفعه على الدخول مرغما .. ولو أن الباب فقط كان مفتوحا لكان قد اختفى إذن لتوه !. فقال والده : (( هذا بالضبط هو ما توقعته .. هذا هو كنت أقوله لك بالضبط إلا أنكن لا تستمعن إلى شيء , أيتها النسوة !)) بدا واضحا لجريجور أن والده كان قد أذنب بارتكابه جرما رهيبا , لهذا يجب على جريجور أن يحاول استعطاف والده بما أنه لا يتيسر له الوقت , ولا الوسيلة لمحاولة شرح الأمر !
وأجابته (( جريتا )) في صوت خفيض , مخبئة رأسها لا شك في صدره : (( كان قد أغمى على أمي , ولكنها تحسنت الآن !.. وقد شرد جريجور خارجا من حجرته !.))
كان والده هو القادم . وكانت الكلمات الأولى التي تفوه بها هي : (( ما الذي حدث ؟ )) فلابد أن وجه جريتا كان قد أوضح له كل شيء !. ثم دق جرس الباب وكانت الخادمة بالطبع محبوسة في داخل المطبخ المغلق عليها . وكان على (( جريتا )) أن تفتح الباب . وانقضت فترة قصيرة من الوقت وكان جريجور ما يزال مستلقيا هناك في وهن , بينما كان الهدوء يلف كل شيء حوله ؟ وربما كان هذا فألا حسنا .
فوق الجدران والأثاث والسقف , وفي غمرة يأسه أخيرا عندما أخذت الحجرة بكاملها تدور حوله , سقط منحطا في وسط المائدة الكبيرة . صاحت شقيقته , وهي تهز قبضتها متطلعة نحوه : (( جريجور )) كانت هذه هي المرة الأولى التي خاطبته فيها مباشرة , منذ تحوله , واندفعت إلى داخل الحجرة المجاورة بحثا عن إحدى زجاجات العطور , لكي تساعد أمها على أن تفيق من إغمائها ورغب جريجور كذلك في تقديم المساعدة , فلقد كانت هناك ثمة فسحة من الوقت لإنقاذ الصورة – لكنه كان ملتصقا جدا بالصورة وكان عليه أن ينزع نفسه منها انتزاعا ومن ثم اندفع يعدو خلف شقيقته إلى داخل الحجرة الأخرى , كما لو كان يمكنه أن ينصحها بما ينبغي عليها عمله , وكانت قد بحثت في تلك الأثناء بين عديد من الزجاجات الصغيرة , وعندما استدارت خلفها اضطربت في فزع عند رؤيته , وسقطت إحدى الزجاجات من يدها , وتحطمت فوق الأرض , وجرحت إحدى الشظايا وجه جريجور , وطرطشت فوقه قطرات من مادة طبية قارضة , وجمعت (( جريتا )) كل الزجاجات التي تمكنت من حملها وأسرعت بها إلى أمها دون أن تتريث لحظة واحدة , ثم دفعت الباب بقدمها , فانصفق بفرقعة مدوية , وأصبح جريجور الآن معزولا عن أمه , التي ربما كانت توشك الآن على الموت بسببه , إلا أنه لم يجرؤ على فتح الباب خوفا من إفزاع شقيقته التي كان عليها أن تبقى إلى جوار أمها , ولم يكن أمامه أي شيء آخر ليفعله سوى الانتظار متكدرا بسبب تأنيبه لنفسه , وقد بدأ – لخوفه – يزحف هنا وهناك فوق كل شيء ..
إلا أن كلمات (( جريتا )) كانت قد نجحت في إزعاج أمها التي كانت قد انحرفت خطوة إلى جانب , ولمحت الكتلة البنية الضخمة , فوق ورق الحائط المنقوش بالزهور , وقبل أن تعي حقا أن ما رأته كان هو جريجور , صاحت في صوت خشن مدو : (( آه يا إلهي , يا إلهي )) ! وتهاوت مفرودة الذراعين فوق الكنبة كما لو كانت أسلمت الروح . ولم تحرك ساكنا !.
فلقد تعلق بصورته , ولن يتركها , ولسوف يطير مندفعا في وجه (( جريتا )) . ربما من أجل والدتها , و أحنت رأسها نحو أمها إلى أسفل , حتى تبعدها عن التطلع إلى أعلى , ثم قالت في غير تكلف , على الرغم من اضطراب صوتها : (( هيا , أليس من الأفضل أن نعود إلى حجرة الجلوس , كانت نواياها واضحة غاية الوضوح بالنسبة لجريجور , فلقد أرادت أن تشيع أمها إلى الداخل بسلام , ومن ثم تطارده , لكي يهبط من على الحائط (( حسنا , دعها تفعل ذلك )) ! . لم تسمحا لنفسيهما بفترة طويلة من الراحة , بل رجعتا لتوهما , وكانت (( جريتا )) قد لفت ذراعها حول أمها , تسندها , قائلة وهي تلتفت حولها : (( حسنا )) ما الذي سوف نأخذه الآن ؟ )) فالتقت عيناها بجريجور فوق الحائط إلا أنها احتفظت بهدوءها ..
أدار وجهه ناحية الباب المؤدي إلى حجرة الجلوس , حتى يمكنه أن يرقب المرأتين عند عودتهما !. وأراح بطنه الملتهبة !. لن يمكن لأحد أن يرفع تلك الصورة التي كانت تختفي تحته على الأقل !. اصطدم على الحائط المقابل الذي كان قد أصبح عاريا تماما بالفعل خلافا لما كان يتوقعه – بصورة تلك السيدة التي كانت ترتدي كل ذلك الفراء , فزحف صاعدا نحوها على الفور , وضغط جسمه إلى الزجاج الذي بدا سطحه مناسبا تماما للثبات فوقه .. ولهذا اندفع خارجا – كانت المرأتان تنحنيان إلى مائدة الكتابة في الحجرة المجاورة , حتى تتمكنا من التقاط أنفاسهما – ولقد غير اتجاهه أربع مرات , حيث لم يكن يدري ما الذي كان ينبغي عليه أن ينقذه أولا ,ثم ..
لم يعد لديه مزيد من الوقت لإضاعته في تقدير النوايا الطيبة لهاتين المرأتين اللتين كان قد نسى الآن وجودهما على الأغلب , فلقد كانتا متعبتين للغاية حتى أنهما كانتا تعملان في صمت , ولم يكن ليسمع فقط سوى وقع أقدامها !. تلك المائدة التي كان قد قام بأداء واجباته المنزلية فوقها حينما كان طالبا بكلية التجارة , وحينما كان تلميذا بالمدرسة الابتدائية ! . وكانتا تزيحان مائدة الكتابة التي كانت قد تهاوت تقريبا مائلة نحو الأرض . الصندوق التي كان يحتفظ فيه بمنشار الحلية , وبعض الأدوات الأخرى , كان قد تم سحبه بالفعل إلى الخارج .. كانت المرأتان تقومان بإخلاء حجرته تماما , دافعتين بكل شيء كان قد أحبه إلى الخارج .. وعلى الرغم من أن جريجور ظل يؤكد لنفسه أن شيئا لم يكن قد وقع خلافا للعادة , وأن قليلا فقط من قطع الأثاث كان يجري استبدالها إذ ذاك , إلا أنه كان عليه في الحال أن يقر بأن اندفاع كلتا المرأتين هنا وهناك ونداءاتها الخافتة , وأصوات جرجرة الأثاث فوق الأرض كانت قد آلمه كلها , كما لو كانت ضجيجا هائلا صادرا من كل الجهات في وقت معا , ومهما حاول أن يحني رأسه , وأن يلصق سيقانه بجسمه , أو ينكمش على نفسه ملتصقا بالأرض فقد كان عليه أن يعترف بأنه لم يكن ليحتملها طويلا !
وما أن فرغت المرأتان من دفع الصندوق إلى خارج حجرته , حتى أخرج جريجور رأسه من تحت الكنبة لكي يرى كيف يسعه أن يتدخل برفق وحذر , بقدر الإمكان ! لكن كانت أمه – لسوء الحظ – هي التي رجعت أولا , تاركة (( جريتا )) تطوق الصندوق بذراعيها , في الحجرة المجاورة , حيث كانت زحزحته بمفردها دون أن يتحرك أمامها – بالطبع – من مكانه . ولم تكن أمه معتادة مع ذلك على رؤيته – فربما أحزنتها رؤيته – ولهذا تقهقر جريجور مسرعا في ذعر إلى الطرف الآخر من الكنبة , لكن لم يسعه أن يمنع اهتزاز الملاءة قليلا من الأمام . وقد كان ذلك كافيا لجذب انتباهها , لكنها توقفت وظلت ساكتة للحظة , ومن ثم عادت إلى (( جريتا )) . ولقد كان في مقدور جريجور أن يعيش الآن بدون الصندوق , لو اضطره الأمر إلى ذلك , لكنه كان يجب أن يحتفظ بمائدة الكتابة . وعلى هذا لم تكن لتتزحزح عن تصميمها أمام والدتها , التي بدت فوق ذلك متعجلة في داخل حجرة جريجور , وغير واثقة لهذا من تماسكها .. وسرعان ما لجأت إلى الصمت , وعاونت ابنتها بأقصى ما في وسعها , لدفع الصندوق إلى الخارج .
والذي أغرى (( جريتا )) أخيرا على أن تبالغ تجسيم الرعب الذي تعكسه ظروف شقيقها , كي يتسنى لها أكثر , أن تضطلع بأداء كل ما قد يتطلبه من أعباء ! ففي حجرة يستقل جريجور وحده , وحتى بجدرانها العارية لم يكن سواها , ثمة من يحق له أن يضع قدميه مطلقا ! . وثمة عامل آخر , ربما كان أيضا هو ذلك المزاج المتحمس , لفتاة مراهقة , ذلك المزاج الذي يندفع إلى استهلاك نفسه في كل مناسبة .. ولم يكن ذلك التصميم بالطبع , مجرد نتيجة لعناد صبياني , وللثقة بالنفس التي كانت قد جنتها أخيرا , إلى هذا الحد غير المتوقع وفي مقابل ذلك البذل .. بل لأنها كانت قد أدركت في الحقيقة , إن جريجور في حاجة إلى مساحة متسعة ليزحف فوقها , في حين أنه – من ناحية أخرى – لم يكن قط يستعمل ذلك الأثاث بالمرة , وهذا ما كان يبدو واضحا ! إلا أن شقيقته كانت ترى – لسوء الحظ – عكس ذلك الرأي , وكانت قد أصبحت معتادة , وليس دونما سبب – على أن تعتبر نفسها خبيرة في شئون جريجور , وكأنما لمناقضة والديها , وعلى هذا فقد كانت نصيحة أمها كافية لتجعلها تصمم ليس فقط على إزالة الصندوق ومائدة الكتابة , تبعا لما انتوته في البداية , بل على إزالة كل ما في الحجرة , فيما عدا الكنبة التي لا غنى له عنها .
إن شيئا لن يخرج من حجرته , ويجب أن يبقى كل شيء كما كان من قبل , إنه لا يمكنه أن يستغني عن ذلك التأثير الطيب الذي يعكسه وجود الأثاث على إدراكه وحتى لو عاقه الأثاث في زحفه اللاواعي عندما يدور بلا توقف , ويدور داخل الحجرة , فلن يكون ذلك عبئا في وجوده بداخلها , بل ميزة هائلة !. فهل يريد حقا أن تتحول حجرته الدافئة , المجهزة على ذلك النحو المريح , بأثاث الأسرة العتيق , إلى حب خاو سوف يمكنه دون شك أن يزحف خلاله في شتى الاتجاهات دونما عائق لكن على حساب إهدار كل ذكرى لأرضيته البشرية , في نفس الوقت ! لقد كان قد أوشك حقا على أن ينسى تماما أن صوت أمه الذي لم يكن قد سمعه منذ وقت طويل , كان هو فقط ما دفعه للعدول عن ذلك. إنني أعتقد أنه من الأفضل أن نترك حجرته بنفس حالتها التي كانت عليها دائما , فإذا ما عاد إلينا ثانية كما كان , فلسوف يجد أن شيئا لم يتغير , وسيمكنه حينئذ بسهولة أكثر أن ينسى ما حدث له في تلك الأثناء ! )) ولقد تحقق جريجور – عند سماعه لتلك الكلمات التي قالتها أمه عن أن انتقاده لكل أشكال الحديث المباشرة طوال الشهرين الماضيين , كان بالإضافة إلى اطراد الحياة العائلية الممل , لابد قد أصابه بالتشويش العقلي , وإلا فإنه لا يمكن أن يعلل حقيقة أنه قد تطلع باهتمام تام إلى إخلاء حجرته من الأثاث . وقد كانت مدفوعة على عكس ذلك , إلى التفكير بأن رؤية جدران الحجرة العارية كانت قد ضغطت على قلبها , فلماذا لا يقدر لجريجور أن يحس الإحساس نفسه ؟ بما أنه قد اعتاد على أثاثه تلك الفترة الطويلة , وأنه ربما أحس بالضياع تماما بدونه .. ثم استنتجت قائلة في صوت خفيض : (( ثم ألا تبدو )) ولقد كانت في الحقيقة تتحدث هامسة في الأغلب , طوال الوقت , كما لو كانت تفعل ذلك , كي لا تتيح لجريجور – الذي لم تكن تدري في أي مكان مختبئا على وجه التحديد – أن يسمع حتى أقل همساتها , لأنها كانت مقتنعة بأنه لن يمكنه أن يفهم معنى كلماتها : (( ألا تبدو كما لو كنا نوحي إليه عندما ننقل أثاثه بعيدا , بأننا قد فقدنا الأمل نهائيا في شفائه , وأننا إنما نتركه وحيدا في قسوة ؟ .. وبعد أن مرت ربع ساعة على الأقل عليهما وهما تجذبان ذلك الصندوق , اعترضت أمه قائلة , بأنه من الأفضل أن يظل ذلك الصندوق في مكانه كما هو , لأنه – أولا – كان ثقيلا جدا , ولن يمكن إخراجه قبل عودة والده إلى المنزل , كما أن بقاءه على هذا النحو , في وسط الحجرة , يعوق حركة جريجور , بينما لا يبدو مؤكدا – من ناحية أخرى – أن إزالة الأثاث سيفيد جريجور في أي شيء ! وكان بإمكان جريجور أن يتسمع الآن إلى جهاد المرأتين في زحزحة صندوق الملابس العتيقة الثقيل من مكانه , بينما تطالب أخته بالقيام بالعبء الأكبر من المجهود , دون أن تلقي بالا إلى تحذيرات أمها , التي كانت خائفة من احتمال إفراط ابنها في إرهاق قواها فوق الطاقة ! ولقد استغرق ذلك وقتا طويلا ! ولم يحملق خارجا من تحت الكنبة , في هذه المرة , وقد زهد في الاستمتاع بمشاهدة أمه في تلك المناسبة , سعيدا فقط بمجرد دخولها حجرته ! قالت لها أخته : (( ادخلي إنه مختبئ )) ! وهي تسحب أمها بيدها , على ما يبدو , إلى الداخل ! إلا أن هذا العمل كان أصعب من أن تضطلع بالقيام به وحدها , ولم تجرؤ على طلب العون من والدها , أما فيما يختص بالخادمة , وهي فتاة صغيرة في السادسة عشرة فقد كان لديها الجرأة لتواصل البقاء بعد رحيل الطباخة , فلم يكن يمكنها أن تطلب مساعدتها , ذلك لأنها كانت قد اشترطت – كهبة خاصة – أن يؤذن لها بإغلاق باب المطبخ عليها , وأن تفتحه لدواع محددة . وعلى هذا فلم يكن أمامها سوى أن تستدعي والدتها , حينما يكون والدها خارج المنزل , وقد لبت السيدة العجوز تلك الدعوة في فضول مفعم بالفرح المتشوق , الذي تبدد مع ذلك عند باب حجرة جريجور , ولقد دخلت شقيقة جريجور أولا لتطمئن على كل شيء قبل أن تسمح لوالدته بالدخول , وفي سرعة خاطفة جذب جريجور الملاءة إلى أسف , وطواها طيات عديدة , حتى تبدو كما لو كانت قد ألقيت بالفعل , عرضا فوق الكنبة . ولقد لاحظت شقيقته تلك التسلية الجديدة التي كان جريجور قد اهتدى إليها – فلقد كان قد ترك خلفه آثارا لتلك المادة اللزجة التي تفرزها حوافره , في كل بقعة زحف فوقها – وقررت في نفسها أن تهيئ له بقدر الإمكان , أوسع مجال ممكن ليزحف فيه , وأن تزيل قطع الأثاث التي تعوق حركته , وفي مقدمتها صندوق الملابس , ومائدة الكتابة . مرتطما بالأرض . إلا أنه كان يسعه أن يحكم السيطرة على جسمه على نحو أفضل – كثيرا من ذي قبل , كما أن مثل تلك السقطة الخطرة , لم تكن لتصيبه بأي ضرر . لم يرغب في الظهور أمام النافذة , لا مراعاة لوالديه , بل لأنه لم يمكنه أن يزحف موغلا في التباعد , خلال بضعة الياردات القليلة المربعة التي كانت في متناول حركته , والتي تشكل مساحة أرضية الحجرة الخالية , كما لم يكن ليحتمل الاستلقاء مستريحا في سكون , طوال الليل , على حين أنه قد بدأ يفقد بسرعة كل ما كان لديه من شهية للطعام ولهذا فقد كان قد تعود لمجرد الرغبة في التجديد , على أن يزحف في اتجاهات متقاطعة فوق الجدران , والسقف , ولقد كان ذلك أفضل كثيرا من الاستلقاء فوق الأرض , فلقد كان في مقدور (( المرء )) أن يتنفس بحرية , كما أن جسم (( المرء )) كان يتطوح , ويترنح في خفة , وفي غاية الاستغراق الذي يتولد عن ذلك التوقع , الذي قد يسفر عن فقدانه السيطرة – لدهشته هو نفسه – وسقوطه من ثم .. وسرعان ما تحققت رغبة جريجور لرؤية أمه .. رأى جريجور أنه ربما كان من المستحسن أن يدعوها تدخل إليه , ليس يوميا بالطبع , لكن مرة , ربما كل أسبوع , فهي فوق كل شيء تدرك الأمور , على نحو أفضل كثيرا من إدراك شقيقته , التي لم تكن سوى طفلة , على الرغم من الجهود التي تقوم بها , والتي ربما كانت تقوم بها بدافع من مجرد طيش صبياني فحسب ! وسرعان ما بدأت أمه تعلن في الحال , فوق ذلك , رغبتها في زيارته في إلحاح , إلا أن والده وشقيقته حاولا في البداية أن يصرفاها عن رغبتها تلك , بمجادلات استمع إليها جريجور بانتباه وتأييد شديدين , في وقت معا ! إلا أنها اضطرتهما إلى منعها بالقوة فيما بعد . لكنها عندما هتفت صارخة : (( دعوني أدخل لرؤية جريجور .. إنه أبنى التعس , ألا يمكنكما أن تدركا أنني يجب أن أذهب إليه ؟ )) … لم يستطع والداه أن يقدما على دخول حجرة جريجور طوال الأسبوعين الأولين , وغالبا ما كان يسمعهما وهما يعبران عن تقديرهما لنشاط شقيقته في حين أنهما كثيرا ما كانا من قبل قد انتهراها , لكونها في ظنهما ابنة غير ذات نفع على نحو ما . إلا أنهما الآن أباه وأمه كليهما غالبا ما كانا ينتظران في الخارج أمام الباب , في أثناء قيام شقيقته بترتيب حجرته , وكان عليها فور خروجها أن تنهي إليهما كيف كانت الأمور تبدو بداخل الحجرة على وجه الدقة .. ما الذي أكله جريجور , وكيف تمكن الآن من تدبير أموره , وعما إذا لم يكن ثمة احتمال لبعض التحسن الطفيف في حالته .
نشرها فوقها بحيث تحجبه كلية حتى لا تتمكن من رؤيته , ولو اضطرت حتى إلى أن تنحني على الأرض ! فهل رأت من غير الضروري نشر تلك الملاءة .. إذن لكانت قد رفعتها ثانية بالتأكيد , من فوق الكنبة , فلقد كان واضحا بصورة كافية – أن تستر جريجور , واحتجابه ذاك , لم يكن ليريحه في شيء , إلا أنها تركتها كما هي في مكانها , ولقد خيل لجريجور حتى أنه قد لمح في عينيها نظرة امتنان عندما رفع الملاءة برأسه قليلا , في حذر , ليرى أثر ذلك الترتيب الجديد عليها !. وكم كانت لابد تتكبد من الجهد , حتى تمنع نفسها من الفرار لرؤية ذلك الجزء الصغير من جسمه الذي كان يبرز خارجا من تحت الكنبة , ولكي يجبنها – لهذا – رؤية ذلك الجزء من جسمه , حمل ذات يوم ملاءة على ظهره إلى الكنبة , وقد اقتضاه ذلك أربع ساعات من العمل – ثم .. ولقد اختبأ في الحال تحت الكنبة بالطبع , لكن كان عليه أن يبقى منتظرا حتى الظهر حتى تعاود الدخول ثانية إلى حجرته ولقد بدت إذ ذاك ملهوفة على غير العادة , غاية اللهفة ؟ ولقد أتاح له ذلك أن يدرك كم كان مرآه شنيعا في نظرها حتى الآن , أنه كان مقدرا له أن يبقى على شناعته تلك .. ولم تكن الدهشة لتستولي على جريجور لو أنها لم تدخل الحجرة مطلقا , ما دامت لن تتمكن فورا من فتح النافذة , بينما كان يقف أمامها هناك , إلا أنها لم تتراجع فحسب , بل قفزت راجعة كأنها واجهت خطرا , وصفقت الباب .. فانغلق في ضجة صاخبة حتى أن الغريب ما كان ليحسبه فقط إلا مستلقيا هناك في انتظارها وقد انتوى أن ينهشها . وفي إحدى المناسبات بعد حوالي شهر من تحول جريجور , وبعد أن لم يعد هناك ما يدعوها إلى أن تظل على فزعها عند رؤيته , كانت قد أتت مبكرة قليلا على غير عادتها , ووجدته محدقا من خلال زجاج النافذة في سكون تام , وقد بدا كما لو كان غولا في هيئته تلك .
من ثم تفتح مصراعي النافذة بأصابع متعجلة كما لو كانت على وشك الاختناق , لتتوقف بعدئذ لحظة أمام تيار الهواء المطلق في برود مرير وتتردد أنفاسها عميقة مضطربة ولقد كان اندفاعها الصاخب ذاك يكدر جريجور مرتين كل يوم فكان يربض مرتجفا تحت الكنبة طوال الوقت متيقنا تمام اليقين من أنها قد كفته مشقة الانزعاج الذي لم تكن تتحمله قط ببقائها في وجوده داخل الحجرة دون أن تسرع بفتح النافذة . فلقد كان جريجور يضيق بالأسلوب الذي كانت تدخل به حجرته فما كانت تكاد تدخلها حتى تندفع مباشرة نحو النافذة دون أن تتريث حتى لكي تغلق الباب كما اعتادت أن تفعل في عناية حتى تحجب مرأى حجرة جريجور عن أنظار الآخرين و .. لقد حاولت هي دون شك أن تواجه في بساطة كل المكاره التي فرضها عليها قيامها بأداء واجبها نحوه ولقد نجحت بالطبع في ذلك بمرور الوقت إلا أن ذلك الوقت كان قد علم جرجور الكثير أيضا . لو أمكنه أن يتحدث إليها وأن يشكرها على كل ما تقوم به من أجله فلقد كان يستطيع أن يقابل خدماتها بصورة أفضل مما يلقاها به بالفعل ولقد كان هذا يثقل عليه و ..
لم تكن أخته بسرعة بديتها في حاجة إلى أن تلاحظ أكثر من مرتين وجود مقعد ذى ذراعين إلى جانب النافذة حتى تدفعه بعد كل مرة ترتب فيها حجرة جريجور حتى في النهاية إلى نفس مكانه هناك بجوار النافذة كما أنها كانت تترك النافذة مفتوحة أيضا على مصراعيها . و .. لو أنه لم يكن يعرف أنه كان يقطن في شارع شارلوت وهو شارع هادئ إلا أنه واحد من شوارع المدينة على الرغم من ذلك , لاعتقد أن نافذته إنما كانت تطل على فراغ مقفر حيث تختلط السماء الرمادية والأرض الرمادية بعضها ببعض و .. من ثم ينهض متشبثا بقاعدة النافذة مستندا إلى المقعد مائلا على زجاج النافذة في تشوق واضح إلى الحرية التي كان يتيحها له دائما التطلع من خلال النافذة ذلك أن الضباب والغموض كان قد بدأ بعنف في الواقع ويوما بعد يوم حتى تلك الأشياء التي لم يكن يهتم بالتطلع إليها ويحجبها عن رؤيته حتى المستشفى عبر الشارع الذي كان قد مل رؤيته دائما أمام عينيه كان قد أصبح الآن بعيدا عن مجال رؤيته . وغالبا ما كان يستلقي فوق تلك الكنبة طوال الليالي متقلبا فوق غطائها الجلدي دون أن يغلبه النوم قط أو مرهقا لنفسه بالمجهود الخارق الذي يقتضيه دفع أحد المقاعد إلى النافذة و ..
قد أحس بالسخونة اللاهية من فرط الخجل والحزن . ألقى بنفسه فوق الكنبة الجلدية الباردة التي بجوار الباب و .. حينئذ وعلى الرغم من كل ما تقدم ذكره من الحاجة إلى تكسب سبيل العيش ترك جريجور الباب مبتعدا و ..
لقد كانت مجرد طفلة في السابعة عشرة من عمرها وكانت قد عاشت حياة لاهية حتى ذلك الحين , أنفقتها في الاختيال بثيابها الأنيقة والنوم الطويل والمساعدة في شئون البيت والخروج أحيانا في بعض الزيارات البريئة والعزف فوق هذا كله على الكمان . هل يمكن لشقيقته أن تعمل لتكسب رزقها .. أما والدة جريجور العجوز , فكيف يتسنى لها أن تتكسب خبزها وهي مريضة بالربو الذي كان يرهقها حتى عندما تتجول في أنحاء الشقة ويضطرها إلى الاستلقاء على الكنبة في معظم الأيام تجاهد لاهثة لالتقاط أنفاسها إلى جوار إحدى النوافذ المفتوحة و ..
لم يكن قد اضطلع بأداء أي عمل من الأعمال طوال الأعوام الخمسة الماضية وهي أعوام التبطل الخمسة الأولى طوال حياته المليئة بالكفاح الشاق على الرغم من عدم نجاحها حتى أنه كان قد أصبح سمينا إلى حد ما و .. أصبح متثاقلا في حركته . ولقد كان والده يتمتع ما يزال بصحة كافية حتى الآن لكنه كان عجوزا و .. لم يكن يجب أن يمس هذا المبلغ بل كان يجب أن يبقى جانبا للأيام الحالكة أما المال اللازم لنفقات المعيشة فكان يلزمهم أن يكسبوه . إلا أن ذلك المبلغ لم يكن بحال من الأحوال يكفي لكي تعيش الأسرة مرتكنة إليه فربما بعد عام أو عامين على الأكثر يجدون أنفسهم مرغمين على الإنفاق من أساس المبلغ نفسه هذا كل ما في الأمر ..
وخلف الباب أومأ جريجور برأسه في تشوق متهللا لاكتشاف هذا التدبير غير المتوقع وذلك التبصر . لقد كان في إمكانه بالفعل أن يسدد للرئيس مزيدا من ديون والده بما يحصل عليه من المال الإضافي وكان هذا سيجعل حينئذ بحلول هذا اليوم الذي يتخلص فيه من وظيفته إلا أن أسلوب والده في تدبير الأمر كان بلا شك أفضل . كما أن المال الذي يدفعه جريجور كل شهر للمنزل – لم يكن يستبقى لنفسه فقط سوى بضعة دولارات – لم يكن قد أنفق عن آخره بالإضافة إلى هذا ولقد كوّن مجموع بقاياه مبلغا يمكن اعتباره رأسمالا صغيرا . أن قدرا ما من المال المستمر – مبلغا ضئيلا حقا للغاية – كان قد أحيا بعضا من حطام ثروتهم وكان قد تزايد قليلا أيضا لأن أرباحه لم تكن قد مست في تلك الأثناء . لآن والدته أيضا بم يكن في مقدورها أن تدرك الأمورعلى الفور .. كان جريجور قد علم الآن على قدر ما بوسعه العلم . فلقد كان والده يميل إلى التكرار عند تفسير أي شيء تقريبا لأنه كان قد نفض يديه من أمثال تلك الأمور منذ وقت طويل مضى و ..
بعدئذ فقط يعود مرة أخرى إلى الاتصال تدريجيا ما انقطع من الحديث . قد يقول والده برهة ( ترى ما الذي يفعله هناك الآن ) ملتفتا بلا شك نحو الباب و .. كان حديثهم ينقطع تماما إذ ذاك و .. ذلك أن أقل صوت يمكن أن يحدث ارتطام رأسه بالباب كان من الممكن سماعه في الخارج و .. أحيانا ما كانت رأسه تسقط على الفور . وكان ينصرف أحيانا عن التسمع و ..
تلك كانت هي ما تدور في رأسه من أفكار – العقيمة تماما في وضعه الراهن بينما كان قد انتصب واقفا خلف الباب ملتصقا به منصتا .
كان قد انتوى أن يعلن تلك الحقيقة بما يلزمها من الخطورة والأهمية في يوم عيد الميلاد . على الرغم من النفقات الباهظة التي تتطلبها تلك الدراسة والتي يجب تدبيرها بطريقة ما وكان ذكر الكونسيرفاتوار يتردد غالبا في الأحاديث التي كانت تدور بينه وبين شقيقته في أثناء فترات زيارته القصيرة للمنزل لكن دائما كمجرد حلم جميل لن يقدر له أن يتحقق ولقد كان والداه يعارضان حتى تلك الإشارات البريئة إليه إلا أن جريجور كان قد بت في أمره بصورة قاطعة و .. ولقد كانت ضمن الخطط السرية فيما يخص بها – هي التي تهوى الموسيقى على عكسه ويمكنها أن تعزف عزفا مؤثرا على الكمان – خطة إرسالها في العام التالي للدراسة في الكونسيرفاتوار . و .. يعطي عن طيب خاطر . لكن لم تكن ثمة فورة واحدة غير معتادة من دفء العاطفة . كان قد ظل متآلفا فقط مع شقيقته . قد قام بذلك . ولقد تعودت الأسرة ببساطة على هذا كما تعوده جريجور . فكان المال يؤخذ بامتنان . لن تكرر تلك الأيام . لن تكرر على الأقل نفس ذلك المجد على الرغم من أن جريجور قد كسب فيها بعد الكثير من المال حتى أصبح قادرا على مواجهة كافة نفقات الأسرة و .. وهكذا كان قد نهض لكي يعمل بحماس ولم يلبث حتى تحول من كاتب صغير إلى تاجر متجول , تناوشه بالطبع فرص أعظم لكسب المال وسرعان ما تحول نجاحه إلى قطعة كبيرة مستديرة من العملة أمكنه أن يضعها فوق المائدة لدهشة أسرته وسعادتها . تلك كانت أياما مجيدة بالطبع و .. كانت رغبة جريجور الوحيدة إذا ذاك هي أن يبذل جهد ما يستطيع لكي يعين أسرته على أن تنسى بأقصى ما يسعه من السرعة تلك الكارثة التي انقضت على المتجر وألقت بهم جميعا في حافة من اليأس المطبق .
لم يكن هو قد سأله بالطبع صراحة في هذا الخصوص . فقد كان موقنا أنه لا شيء قد تبقى بعد من تجارة والده , فوالده لم يكن قد صرح على الأقل بشيء يفيد عكس هذا و .. صوت إغلاق الخزينة ثانية , ذلك التقرير الذي أعلنه والده كان هو أول تصريح سار يسمعه جريجور منذ بداية سجنه . وقد كان في استطاعة المرء أن يسمعه وهو يعالج فتح المقعد التركيب و .. يسمع خشخشة الأوراق عندما ينزعها ثم .. وكان ينهض تاركا المائدة من حين لآخر لكي يخرج إيصالا أو مذكرة من داخل الخزانة الحديدية الصغيرة التي كانت هي كل ما تمكن من إنقاذه وسط انهيار تجارته منذ خمس سنوات . و .. ضمن أحداث ذلك اليوم الأول شرح والد جريجور وضع الأسرة المالي والآمال التي يتعلقون بأذيالها لكل من والدته وشقيقته .
هكذا حتى لا تعود به حينئذ حاجة إلى مواصلة الاعتذار في رقة وإنما تنطلق (( لا )) مدوية صادرة عن والده فلا يبقى ثمة ما يقال بعد ذلك في هذا الشأن . وأصبح على أخت جريجور أن تطبخ أيضا الآن مساعدة لوالدتها . لم يكن المطبخ في الحقيقة أمرا ذا بال لأنهم لم يكونوا تقريبا يأكلون أي شيء وكان جريجور يسمع دائما أحد أفراد الأسرة يحاول عبثا أن يحث الآخر على أن يأكل إلا أنه لم يكن يتلقى ردا سوى (( شكرا , لقد أكلت ما يزيد عن كفايتي )) أو شيئا من هذا القبيل ولعلهم لم يكونوا يشربون شيئا كذلك وكانت أخته تلح على والدها مرة بعد أخرى تسأله إن كان يرغب في شيء من البيرة وتعرض استعدادها عن طيب خاطر لإحضارها بنفسها و .. إذا لم يحر جوابا باردا على إلحاحها اقترحت إن في إمكانها أن ترسل البواب ليحضرها و ..
ولقد حدث في نفس اليوم الأول من تلك الأيام أن ركعت الطباخة – لم يكن محددا مدى معلوماتها عن الحالة ولا كيف بلغتها تلك المعلومات – عند قدمي والدته ورجتها أن تسمح لها بالذهاب وعندما رحلت بعد ذلك بربع ساعة لهجت بالشكر على طردها بينما اغرورقت عيناها بالدموع كأنما عرفانا بالخير العميم الذي أنعم به عليها و .. دونها تريث , أقسمت يمينا مؤكدة بأنها سوف لا تتفوه مطلقا بكلمة واحدة لأي شخص كان عما حدث .
و .. لمدة يومين كاملين كانت ثمة قرارات تصدر عند تجمعهم إلى كل وجبة كانت تتناول ما يجب عليهم عمله لكن .. هذا الموضوع كان يثار أيضا بين الوجبات ذلك أنه كان يوجد دائما عضوان هناك على الأقل من أعضاء الأسرة بالمنزل بما أن أحدا منهم لم يكن يرغب في أن يبقى وحده في الشقة , ثم أنهم لم يفكروا أيضا في مغادرتها جميعا في وقت معا .
لم تجر ثمة أحاديث تتناوله بحال من الأحوال في الأيام الأولى على وجه الخصوص ولا حتى عن طريق غير مباشر .
وعلى الرغم من أن جريجور لم يكن يسعه أن يحصل مباشرة على الأخبار إلا أنه يتسمع إلى الحجرات المجاورة وما تكاد ترتفع الأصوات حتى يسرع نحو باب الحجرة ملتصقا به ضاغطا كل جسده إليه .
قد تقول عندما يجهز جريجور تماما على طعامه (( حسنا , لقد أعجبه الغذاء , اليوم )) و .. عندما لا يكون قد قارب الطعام وهذا ما أخذ يحدث أكثر فأكثر باطراد فإنها تقول غالبا في حزن ( لقد ترك كل شيء كما هو مرة أخرى ) .
بأي عذر أمكنهم أن يتخلصوا من الطبيب وحداد الكوالين في ذلك الصباح الأول , هذا ما لم يتوصل جريجور إلى اكتشافه لأنه منذ ذلك الحين لم تصدم أيا منهم حقيقة أن الآخرين لا يفهمون ما يقوله حتى شقيقته لم تصدمها هذه الحقيقة أنه يفهم ما يقولونه و .. على هذا فقد كان عليه أن يقنع كلما دخلت شقيقته إلى حجرته بسماعها وهي تطلق زفرة من حين لآخر ودعاء عارضا للقديسين وفيما بعد عندما كانت قد اعتادت ذلك الوضع إلى حد ما – لم يمكنها بالطبع أن تتعود تماما عليه كانت تلقي أحيانا , بإحدى التعليقات التي قد تكون مقصودة أو .. قد تفسر على أنها كذلك .
وعلى هذا النحو كان يطعم جريجور .. مرة في الصباح الباكر حينما يكون والداه والخادمة ما زالوا مستغرقين جميعا في نومهم و .. مرة أخرى بعد أن يتناولوا جميعا وجبة الغداء حيث يغفو والداه بعدئذ إغفاءة قصيرة و .. يمكن إرسال الخادمة إلى الخارج في مهمة أو أخرى بتدبير شقيقته وليس هذا بالطبع لأنهم كانوا يريدونه أن يموت جوعا بل ربما لأنه لم يكن في وسعهم أن يعلموا عن نظام تغذيته أكثر مما تنتهي إليه أحاديثهم وربما أيضا لأن شقيقته قد شاءت أن تجنبهم بقدر الإمكان مشقة مثل تلك الهموم الصغيرة لما كانوا قد ناءوا بالفعل تحت عبء ماتزل بهم .
لكن البقاء تحتها كلفه جهدا ملحوظا من الضغط على نفسه لكي يبقى على حالته ولو للفترة القصيرة التي يستغرقها وجود أخته بداخل حجرته فقط حيث كانت الوجبة الضخمة قد زادت من ضخامة حجمه إلى حد ما , و .. لأنه كان متشنجا حتى أنه لم يكن قادرا على التنفس سوى بصعوبة . ولقد دهمته نوبات خفيفة من ضيق التنفس وكانت عيناه قد جحظتا قليلا إلى الخارج بينما كان يراقب شقيقته المطمئنة وهي تجمع بمكنسة ليس فقط بقايا ما أكله بل حتى الأطعمة التي لم يقربها كما لو كانت هذه الأطعمة قد أصبحت غير ذات نفع لأي كائن آخر و .. جوفتها بسرعة في دلو , كانت قد غطته بغطاء من الخشب وحملته إلى الخارج وما كادت تدير ظهرها حتى أخرج جريجور رأسه من تحت الكنبة و .. تمدد وجذب جسده خارجا . ولقد أجهز من فوره على وجبته وكان مستلقيا في تكاسل في نفس مكانه عندما أدارت شقيقته المفتاح ببطء كإشارة له لكي ينسحب , فنهض إذ ذاك على التو رغم أنه كان قد أوشك على أن يستغرق في النوم وأسرع فاندس مرة أخرى تحت الكنبة .. كانت هناك خضراوات بائتة نصف متعفنة وعظام بقيت من حساء الأمس , مغطاة بدهن أبيض كان قد تجمد وبعض الزبيب واللوز وقطعة من الجبن بإمكان جريجور أن يؤكد أنها كانت قد فسدت منذ يومين وقطعة مستديرة من الخبز الجاف وكسرة خبز مدهونة بالزبد وكسرة مملحة , ومدهونة أيضا بالزبد و .. بجوار هذا كله وضعت ثانية نفس الوعاء , الذي كانت قد صبت فيه بعض الماء والذي كان قد قصر خصيصا فيما يبدو على استعماله الخاص وفي لباقة زائدة , انسحبت مسرعة , مدركة أن جريجور لن يأكل في وجودها بل لقد أدارت المفتاح في كالون الباب حتى يدرك أن في إمكانه أن يأخذ راحته بقدر ما يشاء وأتبع ذلك صفير سيقان جريجور عندما اتجه نحو الطعام ولابد أن جراحه كانت قد التأمت تماما علاوة على ذلك لأنه لم يعد يشعر بالعجز وهذا ما حيره وجعله يتذكر الآن كيف أنه كان قد جرح أحد أصابعه بسكين بسيطا منذ أكثر من شهر مضي و .. أنه ظل يعاني من ألم الجرح حتى يوم أمس الأول و .. فكر متسائلا (( هل أنا الآن أقل حساسية )) وراح في شراهة يمتص الجبن الذي اجتذبه على الفور , أكثر من باقي المأكولات كلها , وبسرعة التهم ودموع الرضا تترقرق في مآقيه كل الجبن قطعة بعد أخرى والتهم الخضراوات والدهون , لكن الخبز الطازج لم يجذبه بل إنه حتى لم يطق رائحته ثم سحب بالفعل الأشياء التي كان يستطيع أن يأكلها وانتحى بها جانبا . فحتى تكتشف ما الذي يفضله كانت قد أحضرت له عينات تقريبا من كل ألوان الطعام مفروشة كلها فوق إحدى الجرائد القديمة .
وتملك جريجور فضول وحشي , لمعرفة ما الذي سوف تحضره بدلا من ذلك , واستغرقته التخمينات , إلا أن ما فعلته حقيقة – لطيبة قلبها – بعد ذلك , لم يكن جريجور يستطيع أن يصل إليه قط بتخميناته . على الفور , كما لو كانت قد ندمت على تصرفها ودخلت على أطراف أصابعها , كما لو كانت تعود مريضا , أو شخصا غريبا .. فدفع جريجور رأسه إلى الأمام , وراح يتطلع إليها ! هل ستلاحظ أنه قد ترك اللبن , دون أن يمسه , وأن ذلك لم يكن يعني أنه ليس جائعا ؟ وهل ستحضر بعض أنواع الطعام الأخرى التي يستسيغها ؟ إنها لم تفعل ذلك من نفسها , فلسوف يتضور جوعا دون أن يلفت نظرها إلى حقيقة الأمر على الرغم من أنه قد أحس بدافع وحشي لأن يندفع خارجا من تحت الكنبة , وأن يرتمي على قدميها , يستعطفها أن تأتي له بشيء يأكله , إلا أن شقيقته , لاحظت من فورها في دهشة , أن الوعاء كان ما يزال ممتلئا فيما عدا كمية قليلة من اللبن , كانت قد تناثرت كلها حوله , فرفعت الوعاء على الفور , لا بكفيها العاريتين , في الحقيقة , بل بقطعة من القماش , وحملته إلى الخارج .. فزعت غاية الفزع , حتى أنها صفقت الباب , فانغلق ثانية , لم تتمكن من السيطرة على أصابعها , إلا أنها فتحت الباب مرة أخرى . وفي الصباح المبكر جدا , بينما كان ظلام الليل ما يزال سائدا تماما سنحت لجريجور الفرصة لكي يختبر سلامة حلوله الجديدة , فلقد فتحت شقيقته الباب قادمة من الردهة وحملقت في الداخل , مرتدية ثيابها كاملة تقريبا , لم تتمكن من رؤيته لأول وهلة , إلا أنها عندما رأته تحت الكنبة – حسنا – لقد كان مقدرا له أن يتواجد في مكان ما من الحجرة فلم يكن في مقدوره أن يطير بعيدا , هل كان يسعه أن يفعل ..؟
وبقي تحت الكنبة طوال الليل محاولا قطع الوقت أحيانا بالنعاس الخفيف , الذي كان جوعه , يوقظه منه متوفزا , وأحيانا يقطعه مهموما مخططا بعض الآمال المبهمة , التي كانت تنتهي كلها إلى نفس النتائج , التي تتخلص في أن عليه أن يتمدد الآن أرضا , وبمعالجة الصبر , وغاية التساهل يمكنه أن يساعد الأسرة على تحمل الصعاب التي سيسببها لهم بحالته الراهنة .
لم تنطفئ المدفأة في حجرة الجلوس إلا في وقت متأخر من الليل , وفي مقدور جريجور بسهولة أن يؤكد أن والديه وشقيقته , قد ظلوا جميعا متيقظين حتى ذلك الحين , لأنه كان قد تمكن من أن يتسمع في وضوح ثلاثتهم , وهم يسترقون الخطى , مبتعدين على أطراف أصابعهم . لم يكن يبدو أن أحدا منهم سيزوره قبل طلوع النهار , كان ذلك أكيدا , وعلى هذا فقد كان لديه متسع من الوقت ليتدبر فيه وحده كيف يرتب حياته من جديد , إلا أن الغرفة الشاهقة الخاوية , التي كان يتعين عليه أن يستلقي متمددا فوق أرضيتها كانت قد ملأته بشعور لم يتمكن من تعليله , بما أنها كانت هي نفس حجرته التي قضي فيها سنواته الخمس الماضية .. وبحركة نصف واعية , لم تفتقر إلى ظل من الشعور بالحرج , اندفع غاطسا تحت الكنبة , حيث أحس بالراحة من فوره , على الرغم من أن ظهره كان مضغوطا على نحو ما , وأنه لم يكن يمكنه أن يرفع رأسه إلى أعلى , وكان ما أسف عليه فقط , هو أن جسده كان أعرض من أن يختفي بكامله , تماما , تحت الكنبة !.
ولقد حدث مرة خلال تلك الأمسية الطويلة , أن انفتح أحد الابواب التي تتوسط الشقة , لحظة قصيرة , ثم أغلق ثانية بسرعة , ثم حدث ذلك للباب المقابل , فيما بعد , أيضا ويبدو أن أحدهم كان قد رغب في الدخول , ومن ثم رأى أن من الأفضل ألا يفعل . فقبع جريجور فورا أمام الباب الذي يفتح على حجرة الجلوس وقد انتوى أن يغري أي زائر متردد على الدخول , أو أن يكتشف على الأقل من عساه أن يكون , إلا أن الباب لم يفتح قط ثانية , وضاع انتظاره عبثا !! كانوا يريدون جميعا أن يدخلوا إليه في ذلك الصباح الباكر , عندما كانت الأبواب مغلقة , والآن بعد أن فتح لهم احد الأبواب بنفسه , وكان الآخر قد ظل مفتوحا على ما يبدو طوال النهار لم يدخل اي منهم , وحتى المفاتيح كانت في ثقوب الأبواب من الخارج .
حسنا .. ربما كان والده قد اقلع أخيرا عن عادته تلك , على القراءة بأعلى صوته , تلك العادة التي تشير إليها شقيقته في أغلب أحاديثها وخطاباتها , إلا أن ذلك الصمت كان قد هبط على كل مكان , رغم أن الشقة لم تكن بالتأكيد خالية من سكانها . قال جريجور لنفسه : (( ما أروع الحياة الهادئة التي تحياها أسرتنا )) , أحس , بينما كان يقبع هناك بلا حراك محدقا في الظلام , بالزهو الشديد لحقيقة أنه قد تمكن من أن يحقق لوالديه ولشقيقته الحياة في مثل هذه الشقة الفاخرة ! لكن ماذا لو كان على تلك السكينة , والراحة , و الرضي , أن تؤول جميعها الآن إلى الرعب ؟ زحف جريجور قاطعا الحجرة ذهابا وجيئة لاجئا إلى الحركة , كوسيلة تصرفه عن الاستغراق في مثل تلك الأفكار .
ولقد استطاع أن يرى من خلال شرخ في الباب , أن المدفأة كانت مشتعلة في حجرة الجلوس , لكن .. بينما كان والده معتادا في مثل هذا الوقت على قراءة جريدة المساء لوالدته ولشقيقته أيضا في بعض الأحيان , بصوت مرتفع , فإنه لم يكن يسمع ثمة أي صوت هناك الآن !
لكنه سحبها ثانية في خيبة أمل , ليس فقط لأنه لم يكن يسعه أن يطعم بسبب الألم الذي كان يرهقه في الجانب الأيسر – فلم يكن يمكنه أن يتناول طعامه سوى بخفقان أجزاء جسده جميعا متضامنة في وقت معا – بل لأنه لم يستسغ اللبن أيضا , على الرغم من أنه كان شرابه المفضل , وإن هذا كان هو السبب بلا شك في أن أخته قد وضعته له هناك , وقد استدار مبتعدا بالفعل عن الوعاء في اشمئزاز وزحف راجعا إلى وسط الحجرة !!. وكان قد بلغ الباب قبل أن يكتشف ما الذي كان قد جره حقا نحوه . رائحة الطعام , ذلك أنه كان قد استقر بالقرب من الباب وعاء قد امتلأ باللبن الحليب , كان يطفو فوق سطحه فتات من الخبز الأبيض . كاد أن يضحك من فرط السعادة فلقد كان قد أمسى الآن أشد جوعا مما كان عليه في الصباح , ودب رأسه حتى ما فوق العينين فورا في قلب وعاء اللبن .
كان يحس بجانبه الأيسر وكأنه ندبة واحدة ضيقة , ممتدة في بشاعة , فلم يكن يسعه بالفعل إذ ذاك سوى أن يتأرجح في حركته فوق سيقانه التي تتألف من صفين , وكانت ساق صغيرة من سيقانه – بالإضافة إلى هذا – قد تهشمت بقسوة , في مجرى أحداث ذلك الصباح – ولم يكن يقل عن معجزة , أنه لم تتحطم سوى واحدة فقط من سيقانه وتجرجرت خلفه بلا نفع . لم يفق جريجور , إلا بعد أن هبط المساء من السبات العميق الذي استغرقه , والذي بدا أقرب إلى الإغماء منه إلى النوم , ولاشك أنه كان سيستيقظ من تلقاء نفسه بعد وقت قصير , لأنه أحس بأنه قد استغرق في النوم , لكن بدا كما لو كان وقع قدم هاربة , وإغلاق الباب المؤدي إلى الصالة في حذر , هو ما كان قد أيقظه . وكانت المصابيح الكهربائية في الشارع قد ألقت ضوءا خافتا هنا وهناك , على السقف , وفوق سطوح قطع الأثاث , لكن أرضية الحجرة , حيث كان قابعا كان يسودها الظلام , وفي بطء بدأ يحرك أمامه في تخبط قرون استشعاره , التي كان قد أدرك الآن فقط جدواها , ثم اندفع في طريقه نحو الباب , ليرى ما الذي كان يحدث هناك .
الفصل الثاني
إنه لن يتيح أبدا لجريجور أن يقوم بتلك الترتيبات الطارئة التي تنتهي بوقوفه , فربما أمكنه أن يمر منزلقا – لو وقف – من خلال فتحة الباب وربما كان قد رفع صوته الآن أكثر من ذي قبل , لكي يحث جريجور على المضي إلى الأمام , كما لو لم تكن هناك أية عقبات تمنعه من المرور , لكن الصوت الصادر من الخلف لم يعد يطن في سمع جريجور , رغم ذلك , باعتباره صادرا عن أب واحد فقط , – ولم تكن هذه مجرد نكتة – فاندفع – وليحدث ما يحدث – مقتحما فتحة الباب , فارتفع أحد جانبيه , وانزلق في فتحة الباب بزاوية ما , وغطت الرضوض مؤخرته كلها , ولطخت الباب أبيض اللون لطشات مرعبة , ولم يلبث حتى انزلق أكثر من ذي قبل , وأصبح من المستحيل أن يواصل الحركة مطلقا , بلا معاونة وتعلقت سيقانه مضطربة في الهواء , على أحد جوانبه , أما السيقان التي في الجانب الآخر فقد انسحقت في الأرض بألم لا حد له – عندما دفعه والده دفعة قوية من الخلف كانت خلاصا فعليا له , وارتمى بعيدا في داخل حجرته , يدمي في غزارة , وكان الباب قد أنصفق خلفه !! ومن ثم هبط الصمت أخيرا بعد ذلك . إلا أن رأسه عندما أصبحت تواجه مدخل الباب أخيرا لحسن الحظ , اتضح – بكل بساطة – أن جسده كان عريضا جدا , بحيث لا تسعه فتحة الباب , وكان والده بالطبع في حالته تلك , أبعد من أن يفكر , في أي شيء من قبيل أن يفتح له ضلفة الباب الأخرى , حتى يتيح له مسافة كافية للمرور , كانت لديه مجرد الرغبة الملحة في إعادة جريجور ثانية إلى حجرته بأسرع ما يمكن !! ورغم ذلك , فلم يكن أمامه أي شيء آخر ليفعله بعد أن أدرك في رعب أنه في تحركه إلى الخلف بظهره , لن يمكنه حتى أن يتحكم في تحديد الاتجاه الذي سوف يتخذه , وعلى هذا , وبينما عيناه القلقتان , ترقبان والده طوال الوقت من فوق كتفه في حذر , بدأ يتحرك مستديرا بأقصى ما وسعته السرعة , التي بدت – للحقيقة – غاية البطء !! وربما كان والده قد أدرك حسن نواياه , لأنه توقف عن التدخل فيما عدا محاولته من حين لآخر , أن يقدم له بعض العون , على تنفيذ خطته , بطرف العصا , على البعد !! فلو أنه أقلع فقط عن إصدار ذلك الصفير الذي لا يطاق !! فلقد كان يوشك أن يفقد جريجور صوابه تماما !! كان قد أوشك على إتمام دورانه , عندما أربكه ذلك الصفير , حتى أنه قد انحرف قليلا إلى سابق وضعه , مرة أخرى !! كان سيره على هذا النحو بطيئا حقا , فلو أن الفرصة أتيحت له فقط حتى يستدير إذن لأمكنه أن يعود إلى حجرته على الفور , لكنه كان خائفا من إغاظة والده , ببطء مثل تلك المحاولة للدوران على نفسه , وربما صكته عصا والده حينئذ , في أية لحظة . في خبطة قاتلة على ظهره , أو فوق رأسه . وهبت من الشارع لفحة قوية من الهواء . ورفرفت الستائر , وتطايرت الصحف من فوق المائدة , وصفت صفحاتها الشاردة فوق الأرض ! ودفعه والده إلى الخلف بلا رحمة , وهو يصفر , ويتصايح كوحش , إلا أن جريجور لم يكن متمرسا قط على السير متراجعا بظهره … ولم تفلح توسلات جريجور ولم يفهم في الحقيقة – رجاء واحدا من رجاءاته . ومهما أحنى رأسه في تواضع , لم يكن والده يجيبه سوى بأن يدق له الأرض في ضجة أشد ارتفاعا . وخلف والده فتحت والدته إحدى النوافذ على مصراعيها , رغم برودة الجو , وانحنت تطل منها خارجا , إلى أبعد ما وسعها ذلك ووجهها بين كفيها ! ولقد بدا أن فكاك الباشكاتب – لسوء الحظ – قد أحنق جدا والد جريجور الذي كان قد ظل هادئا غاية الهدوء حتى الآن , لأنه بدلا من أن يسرع ليلحق بالرجل نفسه أو على الأقل لا يعوق جريجور في مطاردته له قد أمسك بيده اليمنى العصا التي كان الباشكاتب قد نسيها فوق المقعد واختطف صحيفة كبيرة بيده اليسرى من فوق المائدة , وراح يدق الأرض بقدميه , ويدفع العصا بالصحيفة على رأسها ليرغم جريجور على العودة ثانية إلى داخل حجرته !!
فلقد كان الباشكاتب يهبط السلالم بالفعل , بينما كان يختلس , بذقنه فوق الدرابزين , نظرة أخيرة إلى الخلف وقفز جريجور مندفعا , ليضمن اللحاق به بقدر الإمكان , ويبدو أن الباشكاتب كان قد تنبأ بما انتواه , لأنه قفز هابطا بضع درجات دفعة واحدة , واختفى , بينما كان مايزال يعوى , مطلقا صيحة تأفف أخيرة , تردد صداها في كل جنبات السلم !. لكن جريجور لم يكن لديه الآن متسع من الوقت للاهتمام بوالديه . تمتم جريجور قائلا في صوت خافت وهو يتطلع إليها : (( أماه !! أماه ! )) . وكان الباشكاتب قد اختفى تماما من مخيلته في تلك اللحظة , ولم يسمعه بدلا من ذلك , أن يقاوم اصطكاك فكيه ببعضهما , وهو يرى القوة باللبن . لتسقط بين ذراعي والده , الذي أسرع لينتشلها !
إلا أنه في نفس اللحظة التي وجد نفسه أثنائه منطرحا على الأرض , ينتفض من غلبة شوقه إلى أن يتحرك غير بعيد عن والدته , بل أمامها مباشرة للحقيقة , هي , التي كان يبدو عليها وكأنها قد تحطمت تماما , قفزت فجأة واقفة على قدميها , ناشرة أمامها ذراعيها وكل أصابعها , صارخة : (( النجدة )) . ثم أحنت رأسها إلى أسفل , كأنما لتجد جريجور أمامها على ما يرام , إلا أنها على عكس ما كانت تتوقعه , أخذت تتراجع مبتعدة بظهرها , بلا شعور .. إلى الخلف , غائبة تماما عن أن تتذكر أن المائدة المحملة , كانت تقبع خلفها , لتجد نفسها فجأة مستقرة فوق سطحها , كما لو كان اصطدامها بها قد وقع في غيبة العقل , كما بدت ذاهلة أيضا عن إناء القهوة الكبير الذي انقلب بجوارها , وانصبت القهوة , وفاضت فوق السجادة ! .
ترك ضلفة الباب , واندفع من خلال فتحته , وبدأ السير متجها نحو الباشكاتب , الذي كان قابضا بكلتا يديه – بصورة مضحكة – على الدرابزين فوق بسطة السلم , لكنه فجأة تهاوى على الأرض مطلقا صرخة خافتة , ضاعت وسط كل سيقانه العديدة , بينما كان يبحث عن شيء يستند إليه . وهكذا أنطرح أرضا عندما كان قد بدأ يمارس لأول مرة في ذلك الصباح , إحساسا بالراحة الجدية , فلقد كانت الأرض صلبة تحت أقدامه , وكانت حركة سيقانه – كما لاحظ في سعادة – طيعة للغاية بل لقد جاهدت لتحمله إلى الأمام في أي اتجاه شاء , وكان قد أوشك على الاعتقاد بأن الشفاء التام من كل آلامه كان قد بات في متناول يده !
وكان على جريجور أن يتملك زمام الموقف بنفسه ! ودون أن يخطر بباله , أنه كان لايزال جاهلا بإمكانياته على الحركة و .. دون أن يتذكر حتى أن كلماته في أقصى احتمالات تأثيرها – وفي أقصى احتمالات وضوحها – سوف يلتبس فهمها على الباشكاتب مرة أخرى . و .. لقد شرعت في البكاء بينما كان جريجور مستلقيا ما يزال على ظهره في هدوء , ولا شك أن الباشكاتب بانقياده المعهود للنساء , كان سيتصرف تبعا لإرادتها , و .. أنها كانت ستغلق باب الشقة وتتحدث معه في الردهة بعد أن يزايله كل ما استولى عليه من الرعب , إلا أنها لم تكن هناك ! ولقد أدرك جريجور أنه لم يكن يجب عليهم أن يسمحوا للباشكاتب مهما كانت الظروف , بأن ينصرف في حالته العقلية المضطربة تلك , لو أن وضعه في المؤسسة حقا , لم يكن قد أصبح حرجا إلى أقصى حد , إلا أن والديه لم يتفهما ذلك كما ينبغي , فلقد كانا قد اقتنعا نهائيا , على مر السنين أن جريجور , كان قد استقر في تلك المؤسسة إلى الأبد , كما أنهما كان منشغلين فوق الطاقة علاوة على ذلك بهمومهم الطارئة , لدرجة جانبهم فيها تماما تدبر العواقب , إلا أن هذا التبصر لم يغب عن بال جريجور ! فقد كان الواجب عليهم أن يقنعوا الباشكاتب , وأن يهدئوا ثائرته , وأن يغروه على البقاء , حتى يكسبوه أخيرا في صفهم , ذلك أن مستقبل جريجور كله , ومستقبل أسرته بالتالي كان يتوقف على ذلك , لو أن أخته كانت موجودة فقط إذ ذاك ! فلقد كان ذكاؤها كافيا لإدراك الموقف ! .
و.. لكن المباغتة التي خطا بها خطوته الأخيرة إلى خارج حجرة الجلوس كانت تكاد تدفع المرء إلى أن يظن أن كعب قدمه لابد قد لسعه لحظتها حشرة ما ! وفي الصالة مد ذراعه الأيمن مرة أخرى أمامه نحو السلم , كما لو كانت ثمة قوة خارقة للطبيعة , تنتظره لتتلقفه هنالك . إلا أن الباشكاتب كان قد استدار متراجعا من فوره عند سماعه أولى كلمات جريجور , محدقا فيه فقط بفم مفغور , فوق كتف مرتعد !,
و.. لم يتوقف ولو للحظة واحدة بينما كان جريجور يتحدث , وإنما انسل مبتعدا نحو الباب , دون أن يرفع عينه عن جريجور , سوى مرة , لمسافة خطوة فقط , كما لو كان قد تلقى إنذارا سريا بمغامرة الحجرة ! وكان قد بلغ الصالة للتو .
وإنك لتعلم حق العلم , أن السفرى الذي لا يتواجد في الإدارة على مدار السنة بطولها غالبا , عرضة لأن يقع بسهولة فريسة للغيبة , وسوء الطالع , والشكاوي التي لا أساس لها في حقه , والتي لا يعلم عنها شيئا البتة في أكثر الأحيان , إلا بعد أن يعود مجهدا من تجواله , ليعاني شخصيا حينئذ فقط نتائج شرورهم التي لا يسعه إذ ذاك أن يتعقبها حتى يقف على دوافعها الأصلية . سيدي , يا سيدي , لا تنصرف أرجوك , دون أن تجيبني بكلمة تؤكد ثقتك بأنني على حق , و .. لو إلى حد ما , على الأقل !. قال جريجور مدركا تماما أنه الوحيد الذى له يعد يسعه أن يحتفظ بهدوئه, على عكسهم:إ حسنا , سوف ارتدى ملابسى، ثم أحزم عيناتى , و .. أرحل !!. هل تسمحون لى فقط بالذهاب؟ – ها أنت ذا يا سيدى ترى أننى لست حرونا ، و.. أننى راغب فى العمل, إن حياة الارتحال, هى حياة شاقة إلا أننى لم أعد قادرا على أن أحيا حياة أخرى سواها ، فإلى أين ستذهب أنت يا سيدى؟ إلى الإدارة؟ نعم هل
تتكرم بنقل صورة صادقة لهذا كله! إن المرء ليعجز إلى حين, إلا أن لحظات عجزه هذه بالذات هى ما يجب عندها تذكر خدماته السابقة,

ِِِِِِِِِِِ
وإن ما يحفظه المرء في ذاكرته من هذا فيما بعد , بعد أن تكون قد زايلته شدته يدفعه بلا شك إلى العمل بأقصى ما يسعه الجهد والتركيز ! إنني ملتزم بأن أخدم الرئيس في إخلاص وإنك لتعلم هذا حق العلم و علي بالإضافة إلى هذا أن أعول والدي , وشقيقتي ! لقد سقطت فريسة لعديد من المحن المروعة , إلا أنني سأنجو منها في النهاية فلا تحاول أن تجعل الأمور تبدو بالنسبة لي أشد سوءا مما هي عليه , دافع عني في المؤسسة ! إنني أعلم أن التجار السفريين , لا يتمتعون بأي عطف هناك , فالناس يعتقدون أنهم يكسبون من الأموال ملء أجولة , ولا يقومون إلا بقضاء أوقات ممتعة في رحلاتهم , اعتقاد خاطئ ليس ثمة سبب يدعونا الآن بصفة خاصة إلى مراجعته إلا أنك تتمتع يا سيدي برؤية للأمور أكثر وضوحا عما يراه الرئيس نفسه , الذي يدع حكمة , بما أنه مالك المؤسسة يميل بسهولة ضد أحد مستخدميه .
كان الباب الذى يفضى إلى الصالة مفتوحا وكان فى إمكان المرء أن يرى أن الباب الخارجى كان مفتوحا أيضا ما يزال, تبدو خلفه بسطة السلم وأولى درجات السلم الهابطة إلى أسفل.إلا أنه كان
يتساقط فقط قى قطرات واضحة متناثرة أو بمعنى أصح، فى طرطشات متناثرة متناثرة, مطردة الإيقاع و كانت أطباق الفطور قد رصدت بكثرة فوق المائدة, فقد كان الفطور هو أهم وجبات اليوم عند والد جرريجور الذى كان يتلكأ قبل تناوله بساعات عديدة, يقرأ خلالها مختلف الصحف و في مواجهة جريجور تماما ، كانت ثمة صورة فتوغرافية معلقة على الحائط له فى ملابس الخدمة العسكرية كملازم،… يده على مقبض السيف, و على ملامح وجهه ترتسم ابتسامة ثابتة, تدعو المرء إلى تقدير بذلته ورتبه العسكرية. وعلى هذا فقد تبدى للرؤية نصف جسده فقط, و.. رأسه مائل إلى جانب حتى يتابع النظر إلى الآخرين وكان الضوء قد انتشرساطعا في تلك الاثناء وكان فى إمكان المرء أن يرى فى مواجهته بوضوح فى الجانب الآخر من الشارع, قطعاً من المبنى الرمادى القاتم, الذى لا نهاية لطوله – و قد كان لمستشفى ينساب على صفحته فى نعمة حسابية جافة، صف من النوافذ الروتينية المنتظمة, وكان المطر ما يزال يتساقط. لم يخرج جريجور عندئذ إلى حجرة الجلوس، وإنما بقى بداخل حجرته مستندا إلى الضلفة الثابتة المغلقة من الباب.
كان لا يزال مختفيا وراء الباب عندما انفتح بالفعل إلى آخره, لأنه كان قد سحب ضلفته مختفيا خلقها وكان عليه لكى يظهر من قتحة الباب أن يحرك جسده ببطء منحرفا نحو حافة الضلفة التى كانت تحجبه، وكان عليه لكى يفعل ذلك أن يتفادى السقوط مقلوبا على ظهره, فوق عتبة الباب, كان لا يزال منشغلا باتمام تلك الخطة العسيرة، دون أن يجد فسحة من الوقت لمتابعة أى شىء آخر سواها ، حتى سمع الباشكاتب, و هو يطلق آهة مرتفع- بدت كما لو كانت لفحة من الهواء – و كان قد تمكن الآن من أن يراه واقفا كما كان أمام الباب , لاطما فمه المفغور بإحدى كفيه ومتراجعا فى بطء كما لوكانت قد دفعته قوة شديدة غير منظمورة, و أطبقت أمه – وكان شعرها الذى لم تكن قد رجلته بعد, على الرغم من وجود الباشكاتب، مايزال أشعث ومنفوشا فى كل اتجاه – كفيها على بعضهما أولا ، ثم تطلعت نحو والده, و .. تقدمت نحو جريجور خطوتين, ثم هلع سقطت على الأرض وسط ملابسها التى انتشرت حولها وقد اندفن وجهها تماما بين صدرها ، أما والده فقد ضم قبضته بعنف , وقد ارتسم على وجهه تعبير قاس كما لو كان قد انتوى أن يدفع جريور ثانية إلى داخل غرفته، ثم نظر حوله متفحصا حجرة الجلوس ‏بنظرة زائغة ثم غطى عينيه بكفيه، و.. انخرط فى البكاء حتى اضطرب صدره العريض.
أو جاذبا إياه ثانية إلى أسفل بكل ثقل جسده و قد دفعت أولى التكات مرتفعة الصوت التى صدرت عن الكالون، جريجور إلى الإسراع فى مهمته, ومن ثم قال لنفسه أخيرا ،وهو يطلق زفرة ارتياح عميقة: وهكذا لن احتاج أخيرا إلى حداد الكولين – ثم..ضغط رأسه على مقبض الباب لكى ينفتح!. صاح الباشكاتب قائلا من الناحية الأخرى للباب : انظروا إلى ذلك… إنه يدير المفتاح! – كان ذلك تشجيعا عظيما لجريجور، إلا أنهم تصايحوا جميعا يشجعونه, والده و والدته هى أيضا: استمر,اضغط على المفتاح! و .. ليقينه من أنهم كانوا جميعا يتعقبون جهوده باهتمام, أطبق فكيه على المفتاح في تهور بكل ما أوتي من القوة وعندما ازداد دوران المفتاح، تقوس هو أيضا بدوره حول الكالون، مرتكزا الآن فقط على فمه، دافعا المفتاح، كما ينبغى.
فلطخ المفتاح وتساقط فوق الأرض٠دفع جريجور المقعد ببطء نحو الباب، ثم.. تركه, وتشبث بالباب، ليستند إليه – كانت الحوافر التى تنتهى بها سيقانه الدقيقة لزجة على
نحو ما – ثم استراح لحظة،مستندا إلى الباب بعدجهوده تلك٠ثم حاول أن يدير المفتاح فى القفل بفمه٠ لكن اتضح لتعاسته , أنه لم تكن له بالفعل أية أسنان -فبأى شىء آخر يمكنه أن يقبض على المفتاح؟ ولكن فكيه بدلا من ذلك كان غاية فى الصلابة بالتأكيد، و.. قد أمكنه أن يحرك بهما المفتاح، غافلا عن حقيقة أنه كان بلا ريب, قد هشمها فى بعض المواضع, فلقد انبثق من فمه سائل بنى اللون.
ذلك أنه كان ما يزال بوسعه أن يحتاط لكل شىء٠ و كان قد هبط على الغرفة المجاورة فى تلك الأئناء, صمت تام. ربما كان والداه يجلسان مع الباشكاتب إلى المائدة, يتهامسون، وربما كانوا قد استندوا جميعا إلى الباب يتسمعون!. سعل قليلا, بقدر ما وسعه الهدوء بالطبع, بما أن تلك السعلة, كان من المحتمل أن تبدو مقطوعة الصلة هى أيضا بالسعلة البشرية.إلا أن جريجور كان قد أصبح أكثر هدوءا الآن. ويبدو أن الكلمات التى تفوه بها ، لم تعد مفهومة على ما يبدو. على الرغم من أنها كانت قد بدت له واضحة بدرجة كافية بل ربما أكثر وضوحا عن ذي قبل, و ربما – لأن أذنه كانت قد اعتادت على نبراتها إلا أنهم على أية حال قد أحسوا الآن أن مكروها قد ألم بهم , و.. أصبحوا على أتم استعداد لمساعدته و لقد أرحه اليقين القاطع الذى بنى على أساسه هذه التقديرات المبدئية لموقفه فلقد أحس بنفسه , وقد انخرط مرة أخرى فى سلك البشر وأفعمت نفسه بالأمل فى أن ينجلى الموقف عن نتائج خطيرة وخارقة على يدى كل من الطبيب و حداد الكوالين, دون أى تمييز محدد – في الحقيقة- بينهما ، ولكى يجعل صوته واضحا بقدر المستطاع استعدادا للحديث الحاسم الذى كان يترقبه الآن.
الفتاتان لتوهما مسرعتين عبر الصالة،وانبعث حفيف جونلتيهما – كيف تمكنت أخته من أن ترتدى ملابسها بمثل هذه السرعة؟.
و.. فتحتا باب الشقة الخارجى. لم يسمع صوت اغلاق الباب بعد ذلك, كان يبدو واضحا أنهما قد تركتاه مفتوحا كما يفعل المرء في البيوت التي تدهمها إحدى النكبات الفاجعة.
رد الباشكاتب قائلا فى صوت خفيف بدرجة ملحوظة بالقياس إلى جلجلة صوت الأم: إن صوته له يكن صوتا بشريا!, بينما كان صوت والده ينطلق مناديا عبر الصالة إلى المطبخ وهو يضرب يديه ببعضهما: أنّا, أنّا !, اذهبي حالا للبحث عن حداد كوالين! بينما انطلقت
عليك أن تسرعى هذه اللحظة باستدعاءالطبيب. إن جريجور مريض، اذهبى لاستدعاء الطبيب , اسرعى هل سمعت رنة حديثه؟. صاحت تنادى: جريتا، جريتا – وأجابتها أخته من الغرفة الآخرى: نعم يا ماما؟ كانتا تتصايحان على بعضهما عبرحجرة جريجور! – كان الباشكاتب يتساءل قائلا: هل فهمتم حرفا واحدا مما قال؟ هل أنتم واثقون من أنه لا يحاول خداعنا… وصاحت والدته قائلة وسط
دموعها: آه يا عزيزي لعله يعاني مرضا فظيعا،بينما نسبب له نحن مزيدا من الآلام.
بعد طول إلحاحهم، لحظة أن تقع أعينهم عليه, فإن ارتسم على وهجوههم الرعب. فإن المسئولية حينئذ سوف لا تكون مسئوليته هو ويمكنه أن يبقي ساكنا ، أما إذا واجهوه في هدوء, فلن يكن أمامه حينئذ أيضا ثمة ما يكدره ويمكنه بالفعل أن يتوجه إلى المحطة لكى يلحق – لوأمكنه أن يسرع فى السير – بقطار الساعة الثامنة, ولقد انزلق في البداية بضع مرات من فوق سطح صندوق الملابس اللامع لكنه تمكن فى النهاية, بانتفاضة أخيرة، من أن يقف مستقيما ، ولم يلق بالا حينئذ إلى الآلام التى كان يشعر بها فى النصف الأسفل من جسده مهما اشتد وخزها ، ثم ترك جسده ليسقط إلى ظهر أحد المقاعد القريبة, وتشبث بأرجله الدقيقة فى حواف المقعد, وقد مكنه ذلك من السيطرة على نفسه من جديد. وكان قد توقف تماما عن الكلام ذلك أنه كان فى وسعه الآن أن يتسمع إلى ما كان يقوله الباشكاتب . وبينما كان يتتابع هذا كله ويختلط، وجريجور لا يكاد يعى ما الذى يقوله، كان قد بلغ صندوق الملابس فى سهولة تامة, ربما بسبب
التمرينات التى كان قد قام بها فى الفرلش، وكان يحاول الآن أن يرفع نفسه إلى أعلى مستندا إليه , وكان ينوى بالفعل أن يفتح الباب , وأن
يخرج فعلا, ويتحدث إلى الباشكاتب، وقد كان متلهفا أن يعرف ما الذى سوف يقوله الآخرون.
فلا تتأخر هنا بسببي يا سيدى , ولسوف أستأنف عملي في الحال, وأرجو أن تتكرم، فتخبر الرئيس بذلك، وأن تعتذر له نيابة عني! وقد كان من واجبى أن أشير إلى نلك٠ فلماذا لم أرسل تقريرا إلى المؤسسة عن ذلك , إلا أن المرء يظن دائما أن أية وعكة قد تمر بسلام, دون أن تضطره إلى البقاء فى المنزل أرجوك يا سيدى, أن تعنر والدي! إن كل ما تلومنى الأن عليه , لا أساس له , كما أن أحدا لم يشر لى إليه من قبل بكلمة قط. ولعلك لم تطلع بعد على قائمة الطلبات الأخيرة التى سلمتها، وعلى أية حال, فما يزال فى وسعى أن ألحق بقطار الساعة الثامنة فقد تحسنت كثيرأ خلال تلك الساعات القلائل التى ارتحت خلالها. هى ما عاقتنى عن النهوض، إننى مازلت مستلقيا فى الفراش. لكننى أشعر الآن بأننى على ما يرام وإننى لأنهض من الفراش الآن. فأرجو أنه تسمح لى بدقيقة أخرى أودقيقتين! ، إننى لست على خير ما يرام تماما » كما كنت أعتقد, إلا أنني بخير حقا! كيف يتسنى لشئ من هذا القبيل أن يطرح المرء أرضا فجأة! لقد كنت على خير ما يرام في الليلة الماضية بالذات, و يمكن أن يخبرك واالدى بهذا، وإلا فلن يكون ما دهمنى سوى مجرد توجس طفيف. فلم يكن عملك مرضيا بالمرة, منذ مضى وقت غير قليل وليس هذا بالطبع هو موسم الرواج من بين مواسم السنة, إننا نوافقك على هذا ، إلا أنه لا يوجد بين مواسم السنة موسم لا يلزمنا فيه القيام بأى عمل على الإطلاق. ويجب ألا يوجد هذا الموسم يا سيد – سامسا – !! صاح جريجور قائلا وقد نسى نفسه فى ارتباكه, و نسى كل شىء آخر حوله: لكنني يا سيدي, في سبيلي لكي أفتح الباب في التو و اللحظة. وإن وعكة طفيفة. نوبة من نوبات البرد. و لقد جئت قاصدا أن أقول لك هذا كله على حدة, لكن بما أنك تضيع وقتى بلا داع إلى هذا الحد, فلست أرى ثمة ما يمنع والديك من سماع هذا بدورهما. كما أن وضعك في المؤسسة لم يعد على سابق عهده من الثبات. ولكنك تبدو الآن فجأة ميالا إلى استعراض نفسك في استهتار لقد لمّح لي الرئيس مبكرا هذا الصباح بتفسير – ممكن- لغيابكك – مع الإشارة إلى تلك الدفعات النقدية التى تسلمتها أخيرا كأمانة, لكننى تعهدت فورا بكلمة شرف مؤكدة , إن هذا لا يمكن أن يكون، لكن لم تعد لدى الآن أدنى رغبة, و أنا أراك مهملا عملك على هذا النحو الذي لا يصدقه عقل, في الدفاع عنك مطلقا . و مسببا لوالديك كثيرا مما لا يلزمهما من الإزعاج, ومهملا – و أنا أذكرهذا فقط فى سياق الحديث – مهملا واجبات عملك بصورة لا تعقل إننى اتحدث الآن باسم والديك، وباسم رئيسك و أرجوك فى جدية تامة أن تقدم تفسيرا سريعا ودقيقا لذلك كله . إنك لتدهشني. إنك لتدهشني! لقد عهدتك شخصا هادئا ، يعتمد عليه. وأخيرا هتف الباشكاتب قائلا فى صوت أكثر ارتفاعا: ما الذى دهاك يا سيد سامسا؟ فها أنت ذا تتحصن داخل حجرتك, مجيبا علينا فقط بنعم, و لا .
لماذا لم تنضم أخته إلى الآخرين ربما كانت قد غادرت الفراش لتوها ولم ترتد حتى الآن ملابسها بعد حسنا لماذا كانت تبكى لأنه لم ينهض و لأن الرئيس سوف يزيد أنانيته فى مطالبة والديه بديونهما القديمة كانت هذه بالتأكيد أشياء لم يكن المرء في حاجة إلى أن يقلق الآن بخصوصها فلا يزال جريجور بالمنزل وهو لا يفكر مطلقأ في ترك الأسرة في هذه اللحظة بالفعل كان ممدا فوق السجادة و أي شخص كان يعلم حقيقة حالته لم يكن ليتوقع منه أن يسمح للباشكاتب بالدخول إلا أن جريجور لم يستطع سوى بصعوبة بالغة أن يصرف نفسه لحظتها عن التفكير في فظاعة مثل ذلك السلوك التي كان من الممكن بحثها تماما فيما بعد بشكل كاف و لقد بدا لجريجور أنه كان من الأقرب للصواب أن يتركوه حينئذ في سلام بدلا من أن يزعجوه بدموعهم و توسلاتهم إلا أن سكوكهم و مخاوفهم بالطبع ما تزال هي ما يبعثهم جميعا على مثل ذلك الارتباك و .. تبرر سلوكهم.
تساءل والد جريجور بصبر نافذ و هو يدق ثانية على الباب – حسنا, هل يمكن أن يدخل الباشكاتب الآن فقال جريجور – “لا” و تبع هذا الرفض صمت أليم ساد الحجرة التى إلى اليساربينها بدأت أخته تنهنه باكية فى الحجرة التى إلى اليمين.
و قال الباشكاتب – ” لا أظنني لحاجة إلى مزيد من التفسير يا سيدتي و آمل ألا يكون في الأمر ثمة خطورة على أننا يجب أن نقول من ناحية أخرى إننا – معشر رجال الأعمال –لحسن حظنا أو لسوئه علينا ببساطة في الأغلب أن نتجاهل أي وعكة خفيفة طالما كان أمامنا ما يجب أن نقوم به من الأعمال.
قال جريجور بتباطؤ للغاية “إننى قادم فورا” دون أن يتحرك بوصة واحدة لخوفه من أن يفوته سماع كلمة واحدة من الحديث.
وكان الباشكاتب يهتف في أثناء ذلك قائلا في ود “صباح الخير يا سيد سامسا»! .
و قالت والدته للزائر بينما كان والده ما يزال يحدثه من خلال الباب إنه ليس على ما يرام.. إنه ليس على ما يرلم يا سيدى، صدقنى وإلا ‏‎ فأي شئ آخر يمكن أن يعوقه عن اللحاق بالقطار إن الفتى لا يفكر أبدا سوى في عمله و إن تعوده على عدم الخروج فى الأمسيات ليحزننى للغاية فلقد كان هنا طوال الأيام الثمانية الماضية وقد بقى كل ليلة من الليالى قابعا بالمنزل إنه يجلس فحسب هناك إلى المائدة فى هدوء يقرأ جريدة أويتطلع فى جدول مواعيد القطارات , إن تسليته الوحيدة هى أعمال النجارة الدقيقة و حفرها و تخريمها فهو قد أنفق ليلتين أو ثلاث ليال في صنع إطار صغير لصورة و لسوف يدهشك عندما تتفحص جمال صنعه, إنه معلق على أحد حوائط غرفته و لسوف تراه لأول وهلة عندما يفتح جريجور الباب. يجب عليّ أن أعلن سروري لقدومك يا سيدى. يجب علينا ألا نثقل عليه أبدا بإرغامه على فتح الباب لأنه حرون جدا و.. إننى واثقة من أنه على غير ما يرام و أنه لم يكن في تقديره أن يتأخر هذا الصباح.
و قال والده اخيرا من الغرفة التي إلى اليسار: – جريجور, لقد حضر الباشكاتب، وهو يريد أن يعرف لماذا لم تلحق بالقطار المبكر٠ إننا لا نعرف ماذا نقول له،وهو بالإضافة إلى هذا يريد أن يتحدث إليك شخصيا فافتح الباب أرجوك إنه سيكون كريما بما يكفى ليغفر لك اضطراب نظام غرفتك» .
وكانت أخته تهمس إليه من الغرفة التى إلى اليمين لتنهى إليه الموقف, قائلة: جريجور إن الباشكاتب هنا . تمتم جريجور قائلا لنفسه: أعلم ذلك، إلا أنه لم يجرؤ على أن يرفع صوته إلى حد يكفي لكي تسمعه أخته. قال الباشكاتب فى الغرفة المجاورة إلى اليسار- لقد كان ذلك شىء ما قد انطرح أرضا بالداخل, و.. حاول جريجور أن يفترض فى نفسه أن شيئا كهذا الذى حدث له اليوم ربما حدث يوما ما للباشكاتب، ولا يسع المرء فى الواقع أن ينكر إمكان أن يحدث ذلك. إلا أن الباشكاتب تقدم خطوتين بثبات، فى الغرفة المجاورة وصر حذاؤه المصنوع من الجلد الجيد كما لو كان ذلك إجابة مقتضبة على ذلك الافتراض.
فلقد خففت السجادة إلى حد ما من شدة الصدمة كما أن ظهره أيضا كان أقل صلابة مما كان يظن وعلى هذا فقد كان ما حدث هو مجرد هبدة حمقاء إلا أنها لا تبعث كثيرا على الارتياح لم يكن فقط قد رفع رأسه بعناية كافية وعلى هذا فقد أصيب و.. قد أداره وحطه على السجادة فى ألم وهياج.
طوح جريجور نفسه إلى خارج الفراش بكل ما أوتي من قوة ولقد ارتفع صوت صدمة مدوية إلا أنها لم تكن صدمة بالفعل. هل كان على الباشكاتب نفسه أن يحضر وأن يكشف أمام الأسرة كلها .. أمام أسرة بريئة أن مثل تلك الظروف المريبة من الممكن أن تفحص على يد من لا يقل عنه شخصيا خبرة بهذه الأمور وتحت وطأة الحيرة التى سببتها له هذه التأملات لا بسبب أى دافع آخرمن دوافع الإرادة. كان قد قطع شوطا بعيدا حتى أنه لم يعد في مقدوره أن يحفظ توازنه سوى بصعوبة بالغة عندما كان يطوّح نفسه بشدة و كان عليه أن يستجمع قواه ليتخذ قراره الأخير فورا ذلك أن الوقت أوشك أن يبلغ السابعة و الربع في خلال خمس دقائق – عندما دق جرس الباب الخارجي, قال لنفسه و قد جمد تماما ” ها هو شخص ما قدم من المتجر بينما اهتزت سيقانه الدقيقة مضطربة في سرعة و .. ظل كل شئ هادئا لدقيقة و قال جريجور لنفسه و هو يتعلق بأمل مجنون , إنهم لن يحاولوا أن يفتحوا له الباب لكن الخادمة ذهبت بالطبع كالعادة إلى الباب في خطواتها المتثاقلة و .. فتحته و لم يكن جريجور في حاجة سوى أن يسمع جملة “صباح الخير” الأولى التي سيقولها الزائر لكي يتعرف على شخصيته على الفور – لقد كان الباشكاتب نفسه, يا له من قدر أن يُقضَى عليك بالعمل في متجر حيث يثور حولك أشد أنواع الارتياب تزمتا لأقل إهمال! هل المواطنون جميعا و بصفة خاصة مجرد أوغاد لا يوجد بينهم أبدا و لو رجل واحد فقط مخلص في تفانيه, رجل على الرغم من أنه قد يضيع ساعة أو نحوها من وقت عمل المتجر ذات صباح فإنه يكاد يفقد صوابه تحت وطأة عذاب الضمير وهو غير قادر رغم ذلك على أن يبارح فراشه وهل يكفى حقا أن يرسل مستخدمه للاستفسار لوكانت هناك ثمة ضرورة للاستفسار بالمرة.
و لسوف يكون شخصان قويان كافيان للغاية و كان يفكر في والده و في الخادمة, و .. لن يكون عليهما سوى أن يفردا أذرعتهما تحت ظهره المحدوب و يرفعاه من الفراش و من ثم ينحنيان إلى أسفل بحملهما و عليهما أن يكونا مترفقين بما يكفي له الفرصة لكي ينقلب تماما إلى الأرض حيث يمكن أن يكون ثمة أمل حينئذ في أن تجد أقدامه سبيلها إلى العمل بصورة تامة, حسنا هل يجب عليه أن يزعق طالبا النجدة – متجاهلا أن كل الأبواب كانت جميعها مغلقة, لم يتمكن من أن يمنع الابتسامة عندما راودته هذه الفكرة على الرغم من بؤسه.
و عندما أصبح بالفعل في منصف محاولته لمغادرة الفراش – و كانت هذه المحاولة الجديدة للخروج من الفراش تأخذ شكل لعبة أكثر من كونها مجرد مجهودا لأنه لم يكن بحاجة فقط سوى إلى أن يهز نفسه بالتطوح هنا و هناك – باغتته فكرة المساعدة التي تسهل تلك اللعبة إلى حد بعيد.
إلا أنه سرعان ما قال لنفسه “يجب عليّ أن أكون خارج هذا الفراش قبل أن تدق الساعة معلنة السابعة و الربع دون أن يجانبني التوفيق في إنجازه فربما وصل شخص ما بأية حال – من المتجر في ذلك الوقت للسؤال عني حيث يفتح المتجر أبوابه – قبل السابعة و .. بدأ يهز جسده على الفور في إيقاع منتظم بهدف تطويحه خارج الفراش و لو اصطدم بشئ ما بخروجه من الفراش على هذا النحو ففي وسعه أن يمنع عن رأسه أي أذى برفعه بزاوية حادة عندما يسقط و يبدو أن ظهره كان صلبا بدرجة تكفي لكي يتحمل ألم سقطته فوق السجادة و.. كان أخشى ما يخشاه هو صوت الاتطام المرتفع الذي لن يكون في مقدوره أن يمنعه و الذي, ربما سبب قلقا – إن لم نقل رعبا – خلف كل الأبواب و .. عليه أن يقوم بتلك المخاطرة على أية حال.
و قال لنفسه عندما رن جرس المنبه مرة أخرى إنها الساعة السابعة الآن .. الساعة السابعة الآن و .. ما يزال هناك مثل ذلك الضباب الكثيف و ظل مستلقيا في هدوء لفترة فصيرة و هو يتنفس تنفسا خفيفا كما لو كان يتوقع أن مجرد رقدته تلك ربما أصلحت كل شئ , و أعادته إلى حالته العادية الحقيقية.
لكنه بعد أن استقر ثانية في وضعه السابق متنهدا بعد تكرار المحاولات نفسها وراح يرقب سيقانه الضئيلة و هي تتخبط بعضها ببعض في عنف أشد قسوة من ذي قبل – لو كان ممكنا أن يحدث ذلك – بينما يرى هو أن ليس ثمة وسيلة للسيطرة على ذلك الاضطراب المحتوم و .. مرة أخرى حدث نفسه قائلا, إنه من المستحيل البقاء في الفراش و أن الحل الأقرب إلى الصواب هو أن يغامر في سبيل بصيص من الأمل في النهوض منه و لم ينس أن يذكر نفسه في تلك الأثناء أن التفكير الهادئ – على قدر ما يسعه الهدوء – أفضل كثيرا من القرارات اليائسة و ركز في تلك اللحظات بقدر ما وسعه التركيز على النافذة إلا أن منظر ضباب الصباح الذي كان يحجب الجانب الآخر من الشارع الضيق قد بث فيه – لسوء الحظ – قليلا من الراحة و العزاء.
و على هذا فقد حاول أن ينهض بالجزء الأعلى من جسمه أولا و رفع رأسه بحذر متجها نحو حافة الفراش و بدا ذلك سهلا إلى حد بعيد, و تبع جذعه حركة رأسه أخيرا في بطء على الرغم من تلاحق أنفاسه و ثقل جسمه… لكنه حتى عندما كان قد أخرج رأسه تماما خارج الفراش كان يحس بالفزع ما يزال يتملكه, الفزع الشديد من الاستمرار في محاولته ذلك أنه لو ترك جسمه يسقط على هذا النحو في نهاية الأمر فلن يسلم رأسه من الجراح سوى بمعجزة, و مهما كان الثمن فقد كان عليه ألا يفقد وعيه الآن, و الآن على وجه التحديد كان هو الوقت الذي يجب عليه فيه أن يبقى في الفراش.
و حدث جريجور نفسه قائلا: و ما فائدة الاستلقاء كسلا في الفراش إذن و فكر أنه ربما يمكنه أن يغادر الفراش بالجزء الأسفل من جسمه أولا إلا أن الجزء الأسفل من جسمه الذي لم يكن قد رآه و لم يكن قد تمكن من أن يكوّن فكرة واضحة عنه كان من الصعب جدا أن يتحرك كما اتضح من المحاولة, كان يتململ في بطء شديد, و عندما تملكه الضيق في النهاية و دفعه إلى أن يجمع كل قواه مندفعا في تهور إلى خارج الفراش كان قد أخطأ في توجيه حركته و انحط في عنف بجزئه الأسفل في أسفل الفراش و .. هيأ له الألم الشديد الذي أحسه في تلك اللحظة أن ذلك الجزء الأسفل من جسمه ربما كان بالتحديد هو أكثر أجزاء جسمه حساسية.
و عندما حاول أن يثني واحدة من تلك السيقان وجدها قد فردت نفسها تماما على الفور و .. عندما نجح في ثنيها أخيرا كما أراد اضطربت بقية السيقان جميعا في نفس الوقت اضطرابا أشد عنفا فتذبذبت في صورة غاية في الفظاعة.
كان طرح الغطاء أمرا سهلا للغاية, لم يكن عليه سوى أن ينكمش قليلاً على نفسه و سوف ينزلق الغطاء تلقائيا إلا أن الحركة التي تلي ذلك هي ما كانت تشق عليه خاصة و أنه كان عريض الجسم بصورة غير عادية, و لسوف يحتاج إلى أذرع و أيد لكي يرفع نفسه إلى أعلى إلا أنه لم يكن له بديلا من ذلك فقط سوى تلك الأرجل العديدة الضئيلة التي لم تتوقف عن الاضطراب في كل الاتجاهات و التي لم يكن بوسعه أن يتحكم فيها.
و أن يتضح له أن التغيير في صوته لم يكن سوى نذير بنوبة برد شديدة و هي علة التجار الجوالين العتيدة… لم يكن لديه أدنى شك في ذلك. كان أول ما ينوى أن يفعله هو أن ينهض في هدوء دون أن يزعجه أحد و .. أن يرتدي ملابسه و أهم من هذا كله أن يتناول إفطاره ثم بعد ذلك يتدبر ما الذي يجب عليه أن يفعله فقد كان منزعجا جدا و هو في فراشه و لم تكن تأملاته تنتهي إلى نهاية معقولة و تذكر أنه غالبا ما أحس بآلام و أوجاع خفيفة ربما كانت قد سببتها له الأوضاع غير الصحيحة التي كان يتخذها أثناء نومه و كان يتأكد عندما كان ينهض في كل مرة أنها لم تكن سوى محض خيالات و لقد كان يتطلع في لهفة إلى رؤية أوهام هذا الصباح و هي تنقشع هي أيضا.
ثم راح ينادي ثانية بعد قليل بصوت أكثر ارتفاعا – جريجور.. جريجور.. و أمام الباب الداخلي الآخر كانت أخته تقول في صوت خفيض باك – جريجور ألست على ما يرام هل تحتاج إلى أي شئ, و أجابهما معا على الفور قائلا – إنني جاهز الآن, باذلا كل جهده في أن يجعل صوته يبدو عاديا بقدر الإمكان ناطقا الكلمات بكل وضوح و تاركا لحظات من الصمت بين كل كلمة و الأخرى و على هذا فقد مضى والده عائدا لتناول إفطاره لكن شقيقته همست قائلة – جريجور افتح الباب, افتحه و .. مع ذلك فلم يكن ليفكر في فتح الباب و شعر بالامتنان لتلك العادة الحكيمة التي اكتسبها من أسفاره و هي تعوده على إغلاق كل الأبواب أثناء الليل حتى في المنزل. و بينما كان هذا كله يدور بغاية السرعة في رأسه حين كان عاجزا عن أن يقرر مغادرة فراشه و كان المنبه قد أشار لتوه إلى السابعة إلا ربعا. انبعثت دقة واحدة على الباب خلف رأس فراشه و ارتفع صوت ما – كان صوت أمه – قائلا – جريجور لقد بلغت الساعة الآن السابعة إلا ربعا ألن تسافر اليوم… ذلك الصوت الرقيق. أصيب جريجور بصدمة عندما استمع إلى صوته و هو يجيبها, كان صوته هو حقا دون شك إلا أنه كان مصحوبا بزقزقة صارخة مخيفة متصلة كانت تذيله كالهمس الذي كان يجعل الكلمات تخرج في جرسها الواضح فقط للوهلة الأولى لكن أصداءه كانت ترتفع منكسرة حولها لتشوه وقعها حتى أنه لم يكن يسع المرء أن يثبت من أنه قد سمعها بوضوح. و قد أراد جريجور أن يجيب في النهاية و أن يشرح كل شئ إلا أنه قصر نفسه لظروفه تلك فقط على أن يقول.. نعم..نعم أشكرك يا أمي سوف أنهض الآن و يبدو أن الباب الخشبي الذي كان يفصلهما لا بد قد تسبب في ألا يبدو التغيير في صوته ملحوظا خارجه ذلك أن والدته قد قنعت بذلك الرد و مضت مبتعدة إلا أن تلك الكلمات القصيرة المتبادلة قد تسببت في إزعاج باقي أفراد الأسرة عندما تبينوا منها أن جريجور كان ما يزال بالمنزل على عكس ما كانوا يتوقعون و كان والده قد شرع يطرق أحد الأبواب الجانبية بقبضته في رفق منادياً – جريجور.. جريجور ما الذي حدث لك.
حسنا لنفرض أن بإمكانه أن يقول إنه كان مريضا إلا أن هذا العذر سوف لا يقبل أكثر من أي عذر آخر سواء, كما أنه سيبدو مثيرا للشك به أنه لم يسبق له أن مرض مرة واحدة طوال الأعوام الخمسة التي قضاها في الخدمة و من المؤكد أنه كان على الرئيس نفسه أن يحضر و برفقته طبيب التأمين الصحي و كان سيعنف والديه لتكاسل ابنهم و سيقطع السبيل أمام مختلف الأعذار بإشارة من يده إلى طبيب التأمين الذي يرى البشر جميعهم – طبعا – متمارضين في تمام العافية فإلى أي حد كان خطؤه سيبدو في هذه الحالة, كان جريجور يشعر أنه حقا على ما يرام فيما عدا نوع من الخمول الذي يبدو زائدا تماما عن المألوف بعد مثل ذلك الاستغراق الطويل في النوم كما أنه كان جائعا جدا على غير العادة. لكن ما الذي سوف يفعله الآن, إن القطار التالي يمضي في تمام السابعة و لكي يتمكن من اللحاق بذلك القطار فإن عليه أن ينطلق كالمجنون و لم تكن حتى “عيّناته” قد حزمت بعد كما أنه هو نفسه لم يكن يشعر على وجه الخصوص بالانتعاش و لا بالنشاط. و حتى لو أنه تمكن من اللحاق بالقطار فليس في وسعه حينذاك أن يتجنب وقوع عراك بينه و بين الرئيس لأن حمّال المتجر سيكون قد انتظر قطار الساعة الخامسة و سيكون قد سجل عدم حضوره, منذ ذلك الوقت لم يكن الحمّال سوى مخلوق غبي إمعة من أتباع الرئيس. هل من الممكن أن يبقى المرء نائماً في هدوء وسط مثل تلك الضجة التي تصم الآذان حسنا إنه لم ينم في هدوء إلا أن الأمر كان يبدو كذلك كله في الظاهر. نظر إلى المنبه الذي كانت تتوالى دقاته من فوق الصندوق و حدث نفسه قائلاً – يا أبانا الذي في السماء! كانت الساعة قد بلغت السادسة و النصف بينما كان العقربان يتحركان في هدوء و لقد كانت الساعة قد تجاوزت النصف بعد السادسة بل لقد كانت تقترب من السابعة إلا ربعاً. ألم ينطلق رنين المنبه, كان في مقدور المرء أن يرى من الفراش أنه كان مضبوطا بدقة على الساعة الرابعة و لقد انطلقت رناته بالطبع نعم لكن.
حسنا ما يزال هناك شعاع من الأمل فلقد كنت قد قررت أن أدخر مبلغا كافيا من المال لكي أتمكن من دفع ديون والدي له – ولسوف يستلزم مني خمس سنوات أخرى أو ستا و سوف أمضي في هذا السبيل دون تراجع. حينئذ سوف يمكنني أن أسترد حريتي كاملة و الآن يحسن لي رغم هذا أن أنهض فإن قطاري يتحرك في الخامسة.
وقد كان ذلك كفيلا بأن يطرحه أرضا من على مكتبه و إنها أيضا لطريقة شاذة في السلوك تلك الجلسة إلى مكتب في أعلى و التخاطب إلى أسفل مع العاملين و خاصة عندما يكون عليهم أن يقتربوا تماما بسبب ثقل سمع الرئيس. انزلق هابطا مرة أخرى إلى وضعه السابق و تفكر قائلا في نفسه إن هذا الاستيقاظ المبكر يصيب المرء بالغباء التام, لأن المرء ليحتاج إلى كفايته من النوم وإن التجار الآخرين ليعيشون كهوانم الحريم فعندما عدت- مثلا – من تجوالي ذات صباح إلى الفندق لكي أدون الطلبات التي حصلت عليها كان هؤلاء الآخرون جالسين فحسب يتناولون إفطارهم فلأحاول فقط أن أجرب السلوك على هذا النحو مع رئيسي و سوف أفصل في التو و اللحظة, و على أي حال فربما كان في هذا كل الخير لي من يدري و لو لم يكن على أن أحتفظ بذلك العمل من أجل والدي لكنت قد أعلنت رأيي منذ وقت طويل و لكنت قد ذهبت إلى الرئيس و أخبرته صراحة برأيي فيه.
تفكر قائلا: يا الهي أية مهنة مرهقة تلك التي اخترتها لنفسي متجولا يوما بعد آخر, إنه عمل أشد إثارة للسخط مما لو أدى المرء العمل نفسه في المتجر, و هناك فوق هذا كله متاعب السفر الدائمة من القلق على اللحاق بالقطار إلى الفراش, و الوجبات غير المنتظمة و العلاقات العارضة التي تبقى علاقات جديدة دائما و لا تتمخض أبدا عن أصدقاء متآلفين فليأخذها الشيطان جميعا, أحس باحتكاك بسيط فوق بطنه فسحب نفسه ببطء على ظهره مقتربا من قمة الفراش حتى يتمكن من أن يرفع رأسه بسهولة أكثر و تفحص الموضع الذي كان يشعر بتآكله فوجده محاطا بعديد من البقع البيضاء الصغيرة التي لم يمكنه أن يدرك طبيعتها و حاول أن يلمسها بإحدى سيقانه إلا أنه أعاد ساقه على الفور ثانية إلى مكانها ذلك أن الملامسة ولدت رعشة باردة سرت في أوصاله.
فماذا لو استغرق في النوم فترة أخرى قصيرة و تناسى ذلك الهراء كله؟. فكر في ذلك إلا أنه لم يسعه أن يفعله لآنه كان معتادا أن ينام على جانبه الأيمن و لم يكن في وسعه أن يستدير و هو في حالته الراهنة و مهما حاول أن يميل جسمه بالقوة على جانبه الأيمن كان ينقلب ثانية في كل مرة على الأقل مغلقا عينيه, حتى لا يرى سيقانه المرتعشة ثم توقف عن المحاولة فقط حينما بدأ يشعر في جانبه بألم لعين خفيف لم يسبق له أن عانى مثله من قبل. ثم تحولت عينا جريجور بعد ذلك إلى النافذة وقد دفعته السماء المعتمة – كان في مقدور المرء أن يسمع وقع قطرات المطر فوق إطار النافذة – إلى الاكتئاب.
كانت حجرته, حجرة نوم إنسان عادية إلا أنها تبدو فقط صغيرة للغاية على نحو ما, و كائنة وسط الجدران الأربعة المألوفة, و تعلو المنضدة التي كانت تنتشر فوقها أنواع من الملابس المبعثرة المفكوكة – فقد كان بائعا متجولا – صورة معلقة كان قد قطعها أخيرا من إحدى المجلات المصورة ووضعها في إطار رقيق مذهب كانت تبدو فيها سيدة ترتدي قبعة من الفراء و قميصها من الفراء, جاكتة في وضع معتدل و مادة نحو المتفرج غطاء يد من الفراء كان ساعدها كله مختفيا في داخله.
لم يكن الأمر حلما.
تفكر قائلا في نفسه – ما الذي حدث لي؟
و كانت سيقانه العديدة التي كانت تبدو رفيعة على نحو بائس, بالنسبة لبقية جسمه تبدو مسننة أمام عينيه بصورة منفردة.لم يكن غطاء الفراش مستقرا فوقها بعد, في وضعه السابق بل لقد كان على وشك أن ينزلق تماما من فوقها. كان مستلقياً على ظهره الجامد الذي كان مقسما إلى أجزاء صلبة تشبه الدروع و عندما رفع رأسه قليلاً أمكنه أن يرى الجثة المقببة بنية اللون مقسمة إلى فصوص جامدة مستديرة. استيقظ “جريجور سامسا” ذات صباح بعد أحلام مزعجة, فوجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرة هائلة الحج.
الفصل الأول
الانمساخ العكسي

Back